وكالات/ الاقتصادية
أدى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، إلى وضع الحكومات والأسر والشركات الأوروبية تحت ضغط كبير، كما أن الأوضاع المالية المتردية في بعض الاقتصادات الكبرى تحُد من قدرتها على تقديم الدعم الضخم نفسه الذي قُدم بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية قبل ثلاث سنوات.
وفي مواجهة مخاوف غلاء المعيشة وغضب الناخبين، بدأت الحكومات بالاستجابة، بما في ذلك طرح كميات قياسية من احتياطيات النفط.
وقد فرضت فرنسا واليونان وبولندا سقوفاً لأسعار النفط، وقيوداً على هوامش الربح، بينما تسعى ألمانيا أيضاً إلى تنظيم أسعار الوقود، وهي إجراءات لا تُكلف الخزينة العامة الكثير.
الوضع المالي
قال فرانك جيل، كبير محللي منطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات الائتمانية: «إذا انقطعت إمدادات الغاز من قطر لأسابيع أخرى وارتفعت أسعار الغاز، فمن المرجح أن تتدخل الحكومات وتعيد تقديم بعض الدعم».
لا تستطيع الحكومات حتى الآن التنبؤ بمدى تقلب أسعار الطاقة، لكن من الواضح أنها تتخذ موقفاً حذراً بشأن التدابير المالية.
وقد صرحت بريطانيا بأنه من السابق لأوانه تجميد ضريبة الوقود، بينما رفضت الحكومة الفرنسية دعوات المعارضة لخفض ضريبة القيمة المضافة على البنزين.
أما إيطاليا فتدرس استخدام الزيادة في عائدات ضريبة القيمة المضافة الناتجة عن ارتفاع الأسعار وتوجيهها لتمويل العجز الناتج عن خطتها لخفض ضريبة الإنتاج على الوقود.
وأضاف جيل أن الفرق عن عام 2022 يكمن في أن جائحة كوفيد- 19 وأزمة الطاقة التي تلتها قد رفعت عجز الموازنة في الاقتصادات الأوروبية بنحو 3 نقاط مئوية مقارنةً بعام 2019، والنمو الاقتصادي أضعف مما كان عليه قبل أربع سنوات، وتكاليف الفائدة أعلى، كما أن الحكومات الأوروبية ترفع بالفعل الإنفاق الدفاعي، وتُكثف ألمانيا اقتراضها لتنفيذ خطة تحفيزية ضخمة.
النفط غير الغاز
على الرغم من أن أسعار النفط لامست مستوى 120 دولاراً هذا الأسبوع، مقتربةً من ذروتها في عام 2022، فإن وضع الغاز في أوروبا ليس كما كان عليه في عام 2022.
ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بأكثر من 50% منذ بدء الحرب في إيران، لكنها لا تزال تُشكل سدس المستويات التي تجاوزت 300 يورو لكل ميغاواط ساعة مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، كما أن أوروبا لم تتعرض لصدمة توقف التوريد من المصدر الرئيسي، كما حدث مع روسيا وقتها.
تباين التصنيف
إذا استمرت الأسعار في الارتفاع واضطرت الحكومات إلى تقديم الدعم، فقد يُفاقم ذلك الضغوط المالية في فرنسا وبريطانيا نظراً لعجز ميزانيتيهما المرتفع، حسب ما صرح به فيديريكو باريغا-سالازار، رئيس قسم التصنيفات الائتمانية في أوروبا الغربية لدى وكالة فيتش، لوكالة رويترز الأسبوع الماضي.
وفي أوروبا الوسطى قالت وكالة ستاندرد آند بورز إن التصنيف الائتماني للمجر (فئة الاستثمار) يواجه مخاطر التعديل، نظراً لإجراءات الدعم السخية المُطبقة بالفعل قبل انتخابات أبريل.
قال باريغا-سالازار إن إسبانيا والبرتغال واليونان تتمتع بوضع مالي أقوى، لكن زيادة الإنفاق قد تُعرقل تعافيها.
أما بالنسبة لإيطاليا، التي قطعت شوطاً كبيراً في تحسين سمعتها المالية، فقد حذرت وكالة سكوب ريتينغز من أن تباطؤ النمو قد يُعقد خروجها من إجراءات الانضباط المالي للاتحاد الأوروبي.
تدابير مُوجهة
قال خبراء اقتصاديون في باركليز إنه نظراً لمحدودية الخيارات المتاحة، فإن تدابير الدعم الأكثر شمولاً، التي طبقتها الحكومات في عام 2022، يصعب تطبيقها حالياً، بل ستحتاج الحكومات إلى إجراءات محدودة وأكثر استهدافاً هذه المرة، وقد أكدت بريطانيا وألمانيا هذا الرأي بالفعل.
وقال مورغان ستانلي إن تكلفة تدابير دعم الطاقة التي اتخذتها حكومات منطقة اليورو بلغت 3.6% من ناتج دول المنطقة خلال عامي 2022 و2023، عندما تم تعليق قواعد الاتحاد الأوروبي التي تحد من العجز خلال الجائحة، ويُقدر الآن أنه لا يُمكن لدول المنطقة سوى تقديم دعم بنحو 0.3% من الناتج سنوياً، إذا قرروا الالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي.
إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لأكثر من شهر، وظهرت مؤشرات على تباطؤ النمو، فقد يسمح الاتحاد الأوروبي لبعض الدول بالخروج مؤقتاً عن هذه القواعد، وفقاً لتوقعات مورغان ستانلي، التي تتوقع أن تنفق هذه الدول ما يصل إلى 0.6% من ناتجها السنوي لتمويل تدابير محددة.
وأضاف مورغان ستانلي أن الاتحاد الأوروبي يصعب أن يُعلق تطبيق قواعده مجدداً إلا في حال حدوث انكماش اقتصادي حاد.
عائق الديون
يقول غريغوار بيسك، كبير مسؤولي الاستثمار في قسم الدخل الثابت لدى أموندي، أكبر شركة لإدارة الأصول في أوروبا، إن ألمانيا ذات الدين المنخفض، وإسبانيا ذات النمو المرتفع، لديهما مجال أكبر للحركة في ما يخص السياسات المالية التوسعية، وإن كان لا يرى أي دولة تُقدم على التوسع في الدعم المالي في الوقت الراهن «خشية التعرض لأزمة مالية».
وقد أصبح مستثمرو السندات أكثر حساسية للتراجع المالي في السنوات الأخيرة، وكانت بريطانيا وفرنسا من بين الدول الأكثر تضرراً في أوروبا من التراجع المالي.
القدرة على التغطية
إحدى الاستراتيجيات الحكومية لتحسين قدرة الدول على توفير الدعم هي فرض ضرائب على أرباح شركات الطاقة نفسها، وهو ما طبقته العديد من الدول الأوروبية في المرة السابقة، وألمحت إليه إيطاليا بالفعل، لكن جيل من وكالة ستاندرد آند بورز أشار إلى أن الإيرادات في المرة السابقة كانت أقل بكثير من تكلفة الدعم.
ويقول النقاد إن الدعم وتحديد سقف للأسعار سيرفعان الطلب على الطاقة ويزيدان الضغط على الحكومات التي تتحمل أسعار مرتفعة بالفعل.
«على المدى القصير، الخيار الأفضل هو تخفيض الطلب»، كما قال جورج زاكمان، وهو زميل كبير في مركز أبحاث بروجيل ببروكسيل.

