اليوم الثلاثاء ١٧ مارس ٢٠٢٦م

تحليل: فجوة سيولة مصرفية تتسع في فلسطين

اليوم, ١٢:٢١:١١ م
فجوة مصرفية
الاقتصادية

يدخل القطاع المصرفي الفلسطيني عام 2026 بصورة مزدوجة تعكس مفارقة واضحة بين تدفق السيولة وتباطؤ توظيفها، على وقع التشدد في منح الائتمان.

ويظهر مسح المنقبون استنادا لبيانات سلطة النقد الفلسطينية، تواصل الودائع تسجيل نمو قوي، مقابل ارتفاع أكثر حذراً في التسهيلات الائتمانية، ما يوسع فجوة السيولة داخل الجهاز المصرفي.

ففي جانب الودائع، ارتفع إجمالي ودائع العملاء إلى نحو 22.1 مليار دولار في يناير 2026 مقارنة مع 19.0 مليار دولار في يناير 2025، بنمو سنوي يقارب 16%، وهو ما يعكس استمرار تدفق السيولة إلى البنوك في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي. 

في المقابل، بلغ إجمالي التسهيلات الائتمانية نحو 12.8 مليار دولار في بداية 2026، مقارنة مع 12.0 مليار دولار تقريباً في بداية 2025، بنمو أقل نسبياً يقارب 6–7% فقط.

هذه الفجوة بين نمو الودائع والتسهيلات تعكس تحوّلاً مهماً في سلوك القطاع المصرفي، حيث تتراكم السيولة بوتيرة أسرع من قدرتها على التحول إلى ائتمان، في ظل بيئة اقتصادية محفوفة بالمخاطر.

وتظهر البيانات أن التسهيلات الائتمانية سجلت نمواً تدريجياً خلال عام 2025، لترتفع من نحو 11.95 مليار دولار في 2024 إلى حوالي 12.63 مليار دولار بنهاية 2025، قبل أن تصل إلى 12.81 مليار دولار في يناير 2026.

ورغم هذا النمو، إلا أنه يبقى محدوداً مقارنة بالقفزة في الودائع، ما يشير إلى تبني البنوك سياسات إقراض أكثر تحفظاً، خاصة في ظل الحرب والتقلبات الاقتصادية.

جغرافياً، تتركز التسهيلات بشكل واضح في الضفة الغربية، التي سجلت نحو 8.47 مليار دولار حتى يناير 2026، مقارنة مع 8.31 مليار دولار حتى بداية 2025، بنمو محدود يعكس استمرار النشاط الاقتصادي النسبي.

أما قطاع غزة، فقد بقيت التسهيلات عند مستويات شبه مستقرة مع تعطل جزء مهم من الخدمات المصرفية هناك، حيث بلغت نحو 928 مليون دولار، مقارنة مع 925 مليون دولار قبل عام، وهو ما يعكس جمود النشاط الائتماني في القطاع نتيجة الحرب والظروف الاقتصادية والقيود المفروضة.

فجوة سيولة متسعة

وعند دمج مؤشرات الودائع والتسهيلات، تتضح الصورة بشكل أكثر دقة. فمع وصول الودائع إلى 22.1 مليار دولار مقابل تسهيلات عند 12.8 مليار دولار، تتجاوز الفجوة بينهما 9.3 مليارات دولار، وهي فجوة تعكس ارتفاع مستويات السيولة غير الموظفة داخل الجهاز المصرفي.

وهنا تبلغ نسبة التسهيلات إلى الودائع 57.9٪ وهي نسبة متدنية مقارنة مع مستويات تجاوزت 68٪ قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فيما يعكس التراجع ارتفاع حدة مخاطر منح الائتمان في السوق المحلية.

هذه الفجوة تعني أن البنوك تمتلك قدرة كبيرة على الإقراض، لكنها في الوقت ذاته تواجه بيئة تشغيلية تحد من توسيع محافظها الائتمانية، سواء بسبب ارتفاع المخاطر أو ضعف الطلب الاستثماري.

قراءة هيكلية

هذا التباين بين نمو الودائع والتسهيلات ليس ظاهرة عابرة، بل يعكس نمطاً متكرراً في الاقتصادات التي تمر بحالات عدم يقين. ففي مثل هذه الظروف:

  • المودعون يزيدون السيولة داخل البنوك
  • البنوك تشدد معايير الإقراض
  • الاستثمار الخاص يتباطأ

والنتيجة هي تراكم السيولة دون تحويلها إلى نمو اقتصادي فعلي.

ووفق التحليل، تعكس بيانات بداية 2026 معادلة دقيقة: ثقة قوية في الجهاز المصرفي يقابلها حذر واضح في النشاط الائتماني.

فالودائع المرتفعة تؤكد أن البنوك لا تزال ملاذاً آمناً، لكن تباطؤ التسهيلات يشير إلى أن هذه السيولة لم تتحول بعد إلى محرك للنمو الاقتصادي.