بقلم: محمود القشاش
لم تُدمَّر في غزة مدارس وجامعات فحسب، بل تضرّر المورد الاقتصادي الأهم: الإنسان المتعلم. فاقتصاد القطاع يعتمد أساسًا على رأس المال البشري، ومع انهيار التعليم تتراجع القدرة على الإنتاج والنمو لعقود قادمة.
تشير تقديرات أممية إلى أن نحو 745 ألف طفل وشاب وطالب جامعي أصبحوا خارج التعليم المنتظم منذ اندلاع الحرب، بينهم أكثر من 658 ألف طالب مدرسي فقدوا عامًا دراسيًا كاملًا. وفي الوقت نفسه، تعرضت أكثر من 90–95% من المدارس للتدمير أو الضرر، وأصبحت الغالبية غير صالحة للعمل، فيما قُدّرت خسائر القطاع التعليمي بنحو 3.2 مليار دولار.
ولا تقتصر الخسارة على البنية التحتية؛ فقد قُتل أكثر من 12 ألف طالب إضافة إلى مئات المعلمين، وأصيب عشرات الآلاف بإعاقات دائمة. وهذا يعني أن المجتمع لا يفقد طلابه فقط، بل يفقد أيضًا كوادره التعليمية، ما يضاعف صعوبة إعادة تشغيل النظام التعليمي مستقبلًا.
اقتصاديًا، يشكّل هذا الوضع ضربة مباشرة للنمو طويل الأجل. فالدراسات التنموية تشير إلى أن كل سنة تعليم إضافية ترفع إنتاجية الفرد ودخله المستقبلي بنحو 8–10%. وعليه، فإن ضياع عام دراسي واحد لمئات آلاف الطلبة يعني خسارة تراكمية ضخمة في الناتج المستقبلي وسوق العمل.
كما يهدد الانقطاع الطويل بارتفاع التسرب المدرسي، خاصة في ظل فقر يتجاوز 80% من السكان وبطالة مرتفعة للغاية بين الشباب. ومع تراجع الدخل، تضطر أسر كثيرة إلى دفع أبنائها نحو العمل المبكر بدل الدراسة، ما يخلق قوة عاملة منخفضة المهارة ويعزز الاقتصاد غير الرسمي.
التعليم العالي بدوره يواجه أزمة حادة؛ إذ تعطلت دراسة نحو 90 ألف طالب جامعي وتضررت مبانٍ ومختبرات عديدة، ما ينذر بنقص حاد في الكفاءات المهنية التي تحتاجها أي عملية إعادة إعمار — من مهندسين وأطباء ومعلمين.
وتحذر تقارير دولية من خطر تشكّل “جيل ضائع” يفتقر إلى المهارات الأساسية، وهو ما يعني مستقبلًا:
إنتاجية منخفضة
بطالة مزمنة
اعتمادًا أكبر على المساعدات
تباطؤ إعادة الإعمار
هشاشة اجتماعية واقتصادية
ورغم أن تقديرات إعادة إعمار غزة قد تتجاوز 70 مليار دولار، فإن الكلفة الحقيقية تكمن في الإنتاجية المفقودة لعقود بسبب تدهور التعليم. فالمباني يمكن إعادة بنائها خلال سنوات، أما رأس المال البشري فيحتاج جيلاً كاملًا للتعويض.
إن أزمة التعليم في غزة لم تعد مسألة تربوية، بل قضية اقتصادية وجودية. فكل طالب يتسرب اليوم هو عامل أقل مهارة غدًا، وكل مدرسة مغلقة الآن تعني اقتصادًا أضعف في المستقبل.
*التعليم ليس خدمة يمكن تأجيلها، بل هو الشرط الأساسي لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي.*

