وكالات/ الاقتصادية
شهدت الفضة تقلبات حادة في الأسعار بعد إعلان ترامب وقف الهجمات الأميركية على محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، وهو ما فجّر تساؤلاً حول هل الفضة «معدن الشيطان» فعلاً كما يراها البعض أم أن ما يحدث هو تصحيح للأسعار في ظل توترات جيوسياسية مضطربة؟
الفضة من القمة إلى القاع.. ماذا يحدث؟
تحركت الفضة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية في مسار متقلب عكس انتقال السوق سريعاً من تسعير خفض التصعيد إلى إعادة تسعير مخاطر التضخم والفائدة؛ إذ تلقت دعماً أولياً بعد إعلان دونالد ترامب تأجيل الضربات على محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية لمدة خمسة أيام لترتفع في تعاملات الاثنين بنحو 2.5% وتغلق قرب 69.47 دولار للأونصة، مستفيدة من هبوط النفط وضعف الدولار وتراجع الطلب الفوري على التحوط من صدمة إمدادات الطاقة.
لكن هذا الزخم لم يدم طويلاً، فمع عودة الشكوك بشأن وجود مفاوضات فعلية، واستمرار الضربات على أهداف إيرانية غير الطاقة، وارتداد الدولار مجدداً، انقلبت الفضة إلى الهبوط في تعاملات الثلاثاء وكانت منخفضة بنحو 3.4%، ما يعني تراجعها إلى حدود 67 دولاراً للأونصة تقريباً وقت إعداد هذه الفقرة.
ويشير هذا المسار إلى أن السوق لم يعد يتعامل مع الفضة فقط ملاذاً تقليدياً، بل أيضاً أصلاً شديد الحساسية لتوقعات الفائدة والسيولة، بحيث بدد انحسار الخطر العسكري المباشر على منشآت الطاقة جزءاً من علاوة المخاطر قبل أن تعيد الضبابية الجيوسياسية وارتفاع كلفة الطاقة تثبيت نبرة حذرة ومضطربة في التداول.
يقول رئيس الأبحاث وتحليل الأسواق في مجموعة «إكويتي» أحمد عزام، لـCNN الاقتصادية، إن ما تشهده الفضة في هذه المرحلة هو انعكاس مباشر لاختلالات السيولة داخل النظام المالي أكثر منه تعبيراً عن تراجع حقيقي في الطلب أو وفرة مفاجئة في المعروض.
ويوضح عزام أن الهبوط من مستويات 120 دولاراً إلى ما دون 70 دولاراً للأونصة، أي ما يقارب 40% خلال فترة وجيزة، يحمل خصائص واضحة لموجة تصفية قسرية، وتُجبر المراكز الممولة بالرافعة المالية على الإغلاق تحت ضغط ارتفاع متطلبات الهامش وتسارع التقلبات، فيتحول السوق إلى حلقة بيع ذاتية التعزيز أقساها في يناير كانون الثاني العام الجاري التي دفعت الفضة للانخفاض في يوم تداول واحد.
كيف تتحرك أسعار الفضة أوقات الأزمات؟
يضيف عزام أن سوق الفضة اليوم يُتداول في معظمه عبر المشتقات، حيث تشير تقديرات الصناعة إلى أن حجم التداول اليومي في عقود COMEX والمنتجات المرتبطة بها يتجاوز بأضعاف حجم السوق الفعلي، وفي بعض الفترات يصل إلى ما يفوق 200 إلى 300 ضعف الكميات المتاحة للتسليم الفعلي؛ هذا يعني أن السعر في لحظات الضغط لا يُحدد بناءً على توازن العرض والطلب الفعليين، بل على قدرة المشاركين في السوق على الحفاظ على مراكزهم التمويلية.
وعندما ترتفع التقلبات، ترتفع معها متطلبات الهامش، ما يؤدي إلى تصفية سريعة للمراكز الطويلة، بغض النظر عن القناعة الأساسية.
أسعار الفضة تاريخياً
تاريخياً، هذا النمط ليس جديداً.. ففي أزمة 2008 فقدت الفضة أكثر من نصف قيمتها رغم أن الطلب الصناعي لم ينهَر بالنسبة نفسها، وكان العامل الحاسم هو تفكيك الرافعة المالية عبر الأسواق.
وفي مارس 2020، تراجعت الفضة بنحو 35% خلال أسابيع قليلة مع اندفاع المستثمرين لتسييل الأصول لتغطية خسائر أخرى، حتى في 2011 عندما اقتربت الفضة من 50 دولاراً، أدّى رفع متطلبات الهامش في بورصة COMEX إلى موجة هبوط حادة خلال أيام.. القاسم المشترك في هذه الحالات كلّها لم يكن ضعف الأساسيات، بل ضغط السيولة.
ويكمل رئيس الأبحاث وتحليل الأسواق في مجموعة «إكويتي» أنه في المقابل، الصورة الأساسية لسوق الفضة لم تتدهور بالحدة نفسها؛ فأكثر من 50% من الطلب العالمي على الفضة يأتي من الاستخدامات الصناعية، خصوصاً في قطاع الطاقة الشمسية والإلكترونيات، حيث تشير بيانات السنوات الأخيرة إلى تسجيل مستويات طلب قياسية مدفوعة بالتحول نحو الطاقة النظيفة.
ويشير إلى أن الوكالات المتخصصة كانت قد قدّرت أن السوق يعاني بالفعل عجزاً هيكلياً في المعروض عدة سنوات متتالية قبل هذه الموجة، وهو ما يتناقض مع فكرة انهيار القيمة العادلة بهذا الشكل الحاد، ويظهر الانفصال البنيوي الأهم في سوق الفضة من يملك المعدن فعلياً ليس هو من يحدد سعره يومياً.
مَن يملك الخام ومَن يملك العقود؟
ويرى عزام أن جزءاً كبيراً من سلسلة الإمداد؛ من التعدين إلى التكرير إلى الاستهلاك الصناعي، يتمركز في آسيا، وعلى رأسها الصين، التي تعد لاعباً رئيسياً في الطلب الفعلي، خاصة في الصناعات المرتبطة بالطاقة الشمسية.
وفي المقابل يتم تسعير الفضة عالمياً عبر مراكز مالية في الغرب تعتمد بشكلٍ كبير على الأدوات المشتقة والرافعة المالية، وهذا الفصل بين «الملكية الفعلية» و«التسعير المالي» يخلق بيئة مثالية لتحركات حادة لا تعكس دائمًا الواقع الأساسي.
ويقول عزام: «ما نراه حالياً هو مثال كلاسيكي على ذلك؛ ضغط تمويلي في الأسواق الغربية يدفع الأسعار للهبوط بسرعة، بينما الطلب الفعلي لا ينهار بالإيقاع والوتيرة نفسهما».
وغالباً ما تترافق هذه الفترات مع إشارات واضحة مثل ارتفاع غير اعتيادي في أحجام التداول، واتساع الفروقات السعرية، وأحياناً انفصال مؤقت بين السعر الفوري والعقود الآجلة، وهي جميعها دلائل على أن السوق يتحرك تحت ضغط السيولة وليس إعادة تقييم هادئة للأساسيات.
النقطة المفصلية الآن تكمن في ما إذا كان هذا الهبوط سيبقى ضمن إطار «خصم سيولة مؤقت» أم سيتحول إلى إعادة تسعير أعمق إذا استمرت ظروف التمويل المشددة.
ويميل التاريخ إلى السيناريو الأول، حيث شهدت الفضة بعد صدمات 2008 و2020 ارتدادات قوية تجاوزت 100% خلال دورات التعافي اللاحقة، مدفوعة بعودة الاستقرار إلى الأسواق وإعادة بناء المراكز الاستثمارية.
ويقول خبير أسواق المال إن حجم الاعتماد على الرافعة المالية واتساع سوق المشتقات، ما يجعل هذه الدورات أكثر حدة وأسرع إيقاعاً، وهذا يعني أن الفضة قد تبقى عرضة لتحركات مبالغ فيها صعوداً وهبوطاً طالما ظل التسعير رهينة لتدفقات السيولة قصيرة الأجل، وهذا ما يجب على الجميع الحذر منه حول ماهية التحركات القوية.
ليس تصحيحاً عادياً
وقال الدكتور مخلص الناظر، النائب الأول لحاكم مصرف سوريا المركزي، في منشور له على منصة إكس، إن الهبوط الحاد في أسعار الفضة خلال الأشهر الأخيرة لا يمكن قراءته بوصفه تصحيحاً عادياً فحسب، بل باعتباره إعادة تسعير عنيفة تعكس تشدد الأوضاع النقدية، وانكماش السيولة، وارتفاع كلفة الرافعة المالية في الأسواق.
وأضاف أن ما شهدته السوق من تصفيات قسرية ونداءات هامش وخروج للأموال الساخنة، إلى جانب ضغوط التداولات الخوارزمية، كشف هشاشة التموضع الاستثماري في المعدن، على الرغم من أن الأساسيات الجوهرية للفضة لم تتبدل بصورة جذرية، في ظل استمرار نمو الطلب الصناعي المرتبط بالطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والإلكترونيات، مقابل بقاء المعروض تحت قيود هيكلية.
وأوضح الناظر أن ما يحدث حالياً قد يكون في آنٍ واحد إنذاراً مبكراً على توترات النظام المالي العالمي وفرصة نادرة للمستثمرين القادرين على التمييز بين اضطراب السيولة وتغير الأساسيات، مشيراً إلى أن الحكم على المرحلة يتطلب مراقبة تمركز المستثمرين، والفروقات في السوق الفعلية، وأوضاع ميزانيات شركات التعدين، لأن هذه المؤشرات سترسم ملامح الموجة التالية في السوق.

