غزة/ الاقتصادية
يُعدّ الحصول على ربطة خبز في قطاع غزة مؤخراً ضرباً من المحال، ليس لندرة الطحين، بل بسبب أزمة "الفكّة" (العملات المعدنية والفئات الصغيرة)، وهي أزمة بدأت فعلياً منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وفي التفاصيل، فإن إغلاق المعابر من قبل الاحتلال أمام إدخال السيولة النقدية، لا سيما ما يتعلق بتبديل العملات الورقية المهترئة، أدى إلى شُحّ السيولة، خاصة الفئات الصغيرة.
كيف أثّرت "الفكّة" على رغيف الخبز؟
تتداخل هذه الأزمة مع الظروف الحياتية المعقّدة التي يعيشها المواطن في غزة، حيث تتراكم الأزمات بشكل متسارع؛ فما إن يخرج من أزمة حتى يجد نفسه أمام أخرى أكثر تعقيداً. وتتمثل الأزمة الأخيرة في اشتراط المخابز ونقاط بيع الخبز الدفع بالفكّة، ما يجعل المواطن ورغيفه رهينين لهذه الأزمة.
يقول المواطن وليد أبو جياب (أربعيني عاطل عن العمل): "يجبرنا المخبز ونقاط بيع الخبز على دفع ثمن ربطة الخبز نقداً بالفكّة، وكوننا لا نملك هذه الفئات، يرفض المخبز بيعنا أو التعامل عبر التطبيق".
ويضيف: "ما ذنب أطفالي في هذه المعادلة؟ من أين آتي بالفكّة؟ ولماذا يُصرّ المخبز ونقاط البيع على التعامل بها؟".
ويختم أبو جياب حديثه: "نظراً لعدم توفر الفكّة، أعود يومياً بخُفّي حنين إلى أطفالي دون خبز، ولا أدري ما الحل. ألا يكفي ما نعانيه جراء هذه الحرب؟".
ويُشار إلى أن المواطن يضطر لشراء الخبز جاهزاً، بسبب عدم توفر غاز الطهي وارتفاع أسعار الحطب والخشب في غزة، إذ يبلغ سعر الكيلو الواحد نحو سبعة شواقل (نحو دولارين)، هذا إن توفّر، ما يجعل شراء ربطة الخبز أوفر نسبياً.
من جهتها، تقول المواطنة سامية الحلبي (66 عاماً): "أحصل على ربطة الخبز بأسعار مضاعفة تصل إلى عشرة شواقل، بينما يبيعها المخبز بثلاثة شواقل، لكنني لا أستطيع الحصول عليها مباشرة بسبب أزمة الفكّة، فاضطر لشرائها من نقاط التوزيع بأضعاف السعر وعبر التطبيق البنكي".
وتضيف: "نريد حلاً جذرياً لهذه المشكلة التي وصلت إلى لقمة الخبز، ألا يكفينا الفقر الذي نعيشه يومياً؟".
وتختم حديثها: "أحفادي ينامون أحياناً دون خبز، وأضطر لطلب بعض الأرغفة من أحد الجيران في المخيم".
وترعى الحلبي خمسة أحفاد أيتام، بعد استشهاد والدهم في بداية العدوان جراء استهداف مدرسة "أبو عربيان" في مخيم النصيرات وسط القطاع، ما أدى إلى استشهاد عشرة مواطنين، معظمهم أطفال.
طريقة تجويع جديدة
بدوره، يقول التاجر ناهض شحيبر: "أصبحت هناك أزمة خبز ناتجة عن أزمة الفكّة، التي نعاني منها يومياً، حتى بتنا ندّخر أي فئة نقدية صغيرة ليلاً لنتمكن من شراء الخبز في اليوم التالي".
ويضيف: "هذه قضية يجب تسليط الضوء عليها إعلامياً، لإيجاد آلية حل، خاصة أن المواطن غير قادر على شراء الحطب أو الغاز لإعداد الخبز".
ويتابع: "تقع مسؤولية الحل على المخابز ونقاط التوزيع، التي يجب ألا تحصر الدفع بالفكّة. وقد تواصلنا مع عدة جهات، لكن الحل يكمن في السماح بإدخال السيولة النقدية إلى غزة عبر البنوك".
ويختم: "إلى متى ستبقى هذه الأزمة التي تؤرق المواطن المنهك أصلاً؟ إنها طريقة جديدة لتجويع الناس، وأزمة مفتعلة يقف وراءها الاحتلال".
نقاط التوزيع "سبب المشكلة
من جانبه، يوضح نقيب أصحاب المخابز عبد الناصر العجرمي: "نحن لا نتعامل مع المواطن مباشرة، بل عبر نقاط التوزيع، والتي يتم من خلالها، وفق الاتفاق مع برنامج الأغذية العالمي، الدفع مناصفة بين النقد والتطبيق البنكي، فيما نستخدم النقد لدفع رواتب العمال وصيانة الماكينات".
ويضيف في حديثه لـ"وفا": "نقاط البيع هي سبب المشكلة، لأنها تُلزم المواطنين بالدفع بالفكّة".
ويتابع: "نقاط التوزيع تتبع لبرنامج الأغذية العالمي، وليس للمخابز، وقد جرى اعتمادها لتخفيف الضغط عن المخابز وتجنب الاحتكاك مع المواطنين، في ظل تزايد أعداد المحتاجين للخبز"
ويختم: "نطالب برنامج الأغذية العالمي بإلزام نقاط التوزيع بالتعامل عبر التطبيق البنكي، تخفيفاً عن المواطنين".
ويُشار إلى أن عدد المخابز العاملة في قطاع غزة يبلغ نحو 20 مخبزاً، وفقاً لإحصائية العجرمي.
لا حل قريباً لأزمة الفكّة
اقتصادياً، يرى الخبير محمد أبو جياب أن الأزمة مرشحة للاستمرار، قائلاً: "لن تنتهي أزمة الفكّة إلا بتفعيل النظام المصرفي الإلكتروني بشكل كامل، إذ إن الجانب الإسرائيلي لن يسمح بإدخال كميات كافية من النقد، وستتجه المنظومة الاقتصادية نحو الدفع الإلكتروني".
ويضيف: "في المستقبل، قد تختفي الإشعارات البنكية بشكلها الحالي، ليحل محلها نظام آخر للتحقق من عمليات الدفع".
ويختم: "الاقتصاد في غزة يعاني بشدة بفعل تداعيات الحرب، إذ تعطلت القطاعات الإنتاجية والصناعية والزراعية بنسبة تتجاوز 80%، فيما ارتفعت معدلات البطالة إلى أكثر من 80%".

