اليوم الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦م

150 مليار دولار قيمة خسائر الشهر الأول من الحرب على إيران

اليوم, ١٢:١٤:٢٤ م
الحرب على إيران
الاقتصادية

بعد مرور شهر على اندلاع الحرب في المنطقة، دخلت سلاسل الإمداد العالمية مرحلة ضغط حقيقي أعادت إلى الأذهان اضطرابات جائحة كورونا، لكن هذه المرة في قلب أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم. لم يعد التأثير محصوراً في أسعار النفط، بل امتد ليضرب حركة النقل البحري والجوي، ويرفع التكاليف، ويبطئ تدفق السلع بين القارات، في وقت تتزايد فيه هشاشة الاقتصاد العالمي.

تكمن خطورة الوضع الحالي في ارتباطه بممرات استراتيجية حيوية، أبرزها مضيق باب المندب وقناة السويس، حيث يمر عبر هذا المسار ما يقارب 10% إلى 12% من التجارة العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الحاويات بين آسيا وأوروبا واغلاق مضيق هرمز. ومع تصاعد المخاطر الأمنية، بدأت شركات الشحن العالمية بإعادة تقييم عملياتها، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في حركة السفن عبر البحر الأحمر، وتحول تدريجي نحو مسارات بديلة أكثر كلفة وأطول زمناً.

انخفاض عدد السفن: 

تشير بيانات شركات الملاحة وتقارير تتبع السفن إلى انخفاض كفاءة حركة النقل في هذا المسار بنسبة تتراوح بين 20% و35% خلال الأسابيع الأولى من الحرب. كما انخفض عدد السفن العابرة في بعض الفترات إلى مستويات تقارب 40 سفينة يومياً فقط، مقارنة بمعدلات أعلى بكثير في الظروف الطبيعية. هذا التراجع لا يعكس فقط انخفاضاً في الطلب، بل يعكس أيضاً قراراً واعياً من شركات الشحن لتقليل المخاطر، حتى لو كان ذلك على حساب الكلفة والوقت.

زيادة زمن الرحلات: 

التحول الأبرز تمثل في لجوء شركات كبرى مثل “ميرسك” و“هاباغ لويد” إلى تجنب المرور عبر البحر الأحمر، والاعتماد بدلاً من ذلك على طريق رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. هذا المسار البديل أدى إلى زيادة زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا من نحو 25 إلى 30 يوماً في الظروف الطبيعية إلى ما بين 40 و45 يوماً، أي بزيادة تصل إلى 15 يوماً في بعض الحالات. هذه الزيادة الزمنية انعكست مباشرة على كفاءة سلاسل الإمداد، حيث أصبحت الشركات بحاجة إلى مخزون أكبر لتفادي النقص، ما يرفع التكاليف التشغيلية ويضغط على السيولة.

رسم طوارئ دخيلة:

إلى جانب الزمن، ارتفعت تكاليف الشحن بشكل ملحوظ. فقد فرضت شركات النقل رسوماً إضافية تُعرف برسوم الطوارئ، تراوحت بين 2000 و4000 دولار لكل حاوية، بحسب الوجهة ونوع البضائع. كما ارتفعت تكاليف الوقود نتيجة المسارات الأطول، إلى جانب قفزة حادة في أقساط التأمين البحري، حيث تم تصنيف أجزاء من البحر الأحمر كمناطق عالية المخاطر أو مناطق حرب. وبشكل عام، تشير التقديرات إلى أن تكاليف الشحن ارتفعت بنسبة تتراوح بين 30% و60% على بعض الخطوط التجارية خلال الشهر الأول من الأزمة.

هذا الارتفاع في التكاليف لم يبقَ محصوراً في قطاع النقل، بل انتقل سريعاً إلى بقية حلقات الاقتصاد. فالشركات الصناعية، خاصة في قطاعات السيارات والإلكترونيات، بدأت تواجه تأخيرات في وصول المكونات، ما أدى إلى تباطؤ خطوط الإنتاج وزيادة تكاليف التخزين. كما أن قطاع التجزئة بدأ يشعر بآثار تأخر الشحنات، خاصة في السلع القادمة من آسيا، وهو ما ينذر بارتفاع تدريجي في الأسعار للمستهلك النهائي.

ولم تقتصر الأزمة على النقل البحري، بل امتدت أيضاً إلى النقل الجوي، حيث أدت التوترات إلى إغلاق أو تقييد بعض المجالات الجوية في الشرق الأوسط، ما أجبر شركات الطيران على تعديل مساراتها أو تقليص رحلاتها. هذا الأمر انعكس على الشحن الجوي، الذي يُستخدم عادة لنقل البضائع ذات القيمة العالية أو الحساسة للوقت، مثل الأدوية والإلكترونيات، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره وتأخر تسليم بعض الشحنات.

في السياق الأوسع، يُقدَّر أن نحو 12% من التجارة العالمية تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، بينما يعتمد أكثر من 30% من تجارة الحاويات العالمية على هذا المسار الحيوي. وهذا يعني أن أي اضطراب فيه، حتى لو كان جزئياً، يترك أثراً فورياً على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، ويؤدي إلى اختلال في توازن العرض والطلب على السلع. وقد بدأت هذه التأثيرات تظهر بالفعل من خلال ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية، وزيادة تكاليف النقل، وعودة الضغوط التضخمية في عدد من الاقتصادات، خاصة الأوروبية.

150 مليار دولار

وتشير تقديرات الإسكوا إلى أن الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط يمكن أن تؤدي إلى خسائر في الناتج المحلي الإجمالي للدول المتأثرة تتراوح بين 2% إلى 5% سنوياً في حالات التصعيد المتوسط. وفي حالات التصعيد الكبير أو إغلاق ممرات تجارية، قد تصل الخسائر إلى أكثر من 10% من الناتج في بعض الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة المعتمدة على التجارة. وان حجم الخسائر الاقتصادية في الشرق الاوسط قد يصل الى 150 مليار دولار في الشهر الاول من الحرب.

الاختناق المزدوج: 

السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في ما يمكن وصفه بـ“الاختناق المزدوج”، أي تزامن التوتر في باب المندب مع اضطرابات في مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيل جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، ويضاعف من حدة الأزمة. في هذه الحالة، لن تقتصر التداعيات على ارتفاع الأسعار، بل قد تمتد إلى نقص فعلي في بعض السلع، خاصة إذا استمرت الأزمة لفترة أطول.

ورغم أن سلاسل الإمداد لم تصل بعد إلى مرحلة الانهيار، فإن المؤشرات الحالية تؤكد أنها أصبحت أبطأ، وأكثر كلفة، وأقل مرونة. الشركات باتت تعمل في بيئة غير مستقرة، حيث تتغير المسارات والتكاليف بشكل مستمر، ما يصعّب التخطيط ويزيد من المخاطر التشغيلية. كما أن استمرار هذه الأوضاع قد يدفع الشركات إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد، والبحث عن مصادر أقرب أو بدائل إقليمية، وهو ما قد يعيد رسم خريطة التجارة العالمية على المدى المتوسط.

في المحصلة، يكشف الشهر الأول من الحرب أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة من “التجارة تحت الضغط”، حيث لم تعد الكفاءة والسرعة هي العامل الحاسم، بل القدرة على التكيف مع المخاطر الجيوسياسية. وبينما تحاول الأسواق امتصاص الصدمة، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذه السلاسل على الصمود إذا طال أمد الأزمة، أو إذا اتسعت رقعتها، في وقت يبدو فيه أن العالم لم يعد يملك رفاهية اضطراب جديد طويل الأمد في شرايينه التجارية.