بأغلبية (62) صوتاً، حازت الموازنة الإسرائيلية لعام 2026 على مصادقة الكنيست الذي تسيطر عليه أحزاب يمينية متطرفة، لتصل قيمة الموازنة إلى 699 مليار شيقل (222 مليار دولار)، مع تحديد عجز عند 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذه الموازنة في مجملها، تكرس مضي إسرائيل في سياستها الحربية تجاه إيران ولبنان والإقليم، وتعزيزها للاستيطان في الضفة الغربية، إضافة إلى تقاسم الكعكة كاملة بين أقطاب اليمين، للحفاظ على الائتلاف الحكومي حتى نهاية العام الحالي قبل عقد الانتخابات.
في هذه الموازنة، استحوذ "الدفاع والأمن" على الحصة الكبرى من الموازنة بواقع 143 مليار شيقل، بزيادة تقارب 120% مقارنة بعام 2023 قبل حرب غزة. كما خُصصت 6 مليارات شيقل إضافية كاحتياطي لتكاليف الحرب مع إيران أو لاحتياجات عسكرية أخرى، ما يرفع الزيادة في موازنة "الدفاع" إلى ما لا يقل عن 38 مليار شيقل، أي نحو 2% من الناتج المحلي. وتُوجَّه هذه الأموال الإضافية أساساً لإعادة بناء مخزون الجيش وتمويل رواتب قوات الاحتياط.
يقول الخبير الاقتصادي من داخل الخط الأخضر هاني نجم: إن الميزانية التي تم تمريرها هي موازنة حرب بالأساس، إذ تم تحويل مبالغ كبيرة جداً لوزارة الجيش، ورفع مخصصات الأمن، وهذا جاء على حساب تعميق العجز الحكومي في عام 2026.
ويشير إلى أنه بعد إقرار الموازنة نشرت وزارة المالية الإسرائيلية تقريراً يؤكد أن توقعات النمو قد تقلصت بشكل مغاير مقارنة مع مرحلة إعداد الموازنة.
ويؤكد نحم أن الحكومة الإسرائيلية حافظت من خلال هذه الموازنة على الإبقاء على التحالف الحكومي مع توزيع مبالغ كبيرة جدا "كمبالغ ائتلافية"، للمستوطنين وجمهور اليمين المتدين و"الحريديم"، بهدف الحفاظ على الائتلاف وضمان استمراريتة.
من جهة ثانية، يشير نجم إلى أن الموازنة تضمت تقليص في مخصصات العديد من الوزارات الخدماتية المختلفة، بالإضافة إلى تقليص الموازنات التي تسهم في تطوير الاقتصاد بشكل حقيقي.
ويقول: "بالنسبة للمجتمع العربي تم تقليص العديد من الميزانيات المخصصة له، والهادفة لتطويره"، مشيراً إلى أن عام 2026 سيكون عبئا على إسرائيل، وبخاصة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، إذ من المتوقع أن تقود هذه الموازنة إلى ارتفاع الدين العام وخدمة الدين العام.
ويخلص نجم إلى القول بأن الموازنة سيئة للمواطن الإسرائيلي وكان هناك محاولات لفرض خصومات ضريبية لمن يتقاضون أجورا بين 15-25 ألف شيقل شهريا، وهذه الفئة لا تمس المجتمع العربي، بل تلبي احتياجات فئات يمينية، مبيناً أن الموازنة وزعت على أسس انتخابية ومصالح حزبية.
ويقول: "هذه الموازنة كانت تهدف لإرضاء بعض الجمهور لفئة معينة تخص وزير المالية"، مبيناً أن إجمالي الموازنة يعد أمراً سيئاً للمواطن الإسرائيلي، وربما تقود إلى أزمة اقتصادية إذا لم يتم التوصل إلى حلول سياسية سواء مع الشعب الفلسطيني أو في لبنان أو ايران أو مع الدول العربية.
بدوره، يرى الخبير المالي والمستشار المصرفي محمد سلامة أن الأسواق في اسرائيل قرأت إقرار الموازنة على نحو سلبي، إذ تراجعت أسهم تل أبيب بنسبة 1% بعد يوم من إقراها تقريبا كما تراجع الشيقل وتداول الدولار عند مستوى 3.165 متجاوزا مستوى 3.15 الذي وقف في طريق صعود الدولار موخرا.
ويوضح سلامة أن الموازنة التي تم اقرارها بـ(62 صوتا) في الكنيست لبت في محتواها مطالب ومصالح الأحزاب المتطرفة سواء من خلال مخصصات دعم الأحزاب أو دعم لمصالحها، مشيراً إلى أن المفاجىء كان دعم الاستيطان والمدارس الدينية للحريديم، بالإضافة إلى زيادة مخصصات وزارة الجيش بمبلغ (30) مليار شيقل إضافية لتصل موازنة "الدفاع" إلى (142) مليار شيقل على حساب النشاطات الاقتصادية، وذلك بسبب الحاجة لتغطية الحرب التي تشنها إسرائيل على إيران.
ويلفت سلامة إلى أن هذه الموازنة ستؤدي إلى ارتفاع نسبة العجز بنسبة 5% لعام 2026، لافتاً إلى أن الموازنه لم تقدم أي اشاره لخفض الدين العام، فما ورد هو خدمة الدين ودفع الفوائد دون أي توجه لخفض الدين العام.
ويؤكد سلامة أن الموازنة ركزت على دعم توجهات غير اقتصادية كرفع ميزانة الجيش والأمن، أو دعم للمدارس التلمودية، فهذه نشاطات غير إنتاجية كما أن دعم الأحزاب والاستيطان لن تؤدي إلى أي مصلحة اقتصادية، ما زاد المخاوف في الأسواق من استمرار الحرب لفترة أطول من المتوقع.
ويضيف: "من الواضح أنها قد تتحول لحرب استنزاف، كما أن خسائر وأثر الحرب سيؤدي إلى تراجع الإيرادات المتوقعة، كما أن وكالات التصنيف الائتماني قد تأخذ مجموعة من الاعتبارات عند النظر في التقيم الائتماني لإسرائيل"، مشيراً إلى أن ارتفاع الدين العام والعجز في الموازنة وتوقف مبيعات الغاز وشل الاقتصاد لفترة أطول، واستمرار الحرب وتكاليفها ومعاودة مؤشرات المخاطر الاستراتيجية للارتفاع بعد تراجع التوقعات بتحقيق مصالح إسرائيل في هده الحرب، كل ذلك يزيد من مخاطر خفض التقييم وارتفاع تكلفة تمويل الدين العام، وهذا ما أدى وسيؤدي إلى تراجع الأسهم والشيقل.

