غزة/ الاقتصادية
شهدت الفترة بين عامي 2024 و2026 تحولات حادة في السياسة الأمريكية تجاه مؤسسات الإغاثة العاملة في قطاع غزة.
ففي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي، مع انشغال المنطقة والعالم بالحرب على إيران، تشديد الحصار على غزة، تأتي الانعكاسات السلبية الكبيرة للعقوبات الأميركية على الإغاثة لتفاقم من الانهيار المعيشي لسكان القطاع.
ولم تعد العقوبات المفروضة على مؤسسات الإغاثة العاملة في قطاع غزة مجرد خطوة سياسية أو قانونية، بل باتت تمثل ضغطاً اقتصادياً مباشراً على مجتمع يعتمد في بقائه اليومي على تدفق المساعدات الخارجية. ففي واقع تآكلت فيه القطاعات الإنتاجية، وتراجعت فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة، أصبحت المساعدات عنصراً محورياً في تسيير الحياة الاقتصادية والإنسانية داخل القطاع.
عقوبات يناير 2026 على الجمعيات المحلية
في يناير 2026، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات مشددة على 6 جمعيات خيرية تنشط في قطاع غزة، بالإضافة إلى منظمة دولية وشخصيات فلسطينية، بتهمة تقديم دعم مالي أو لوجستي لصالح "حماس". شملت هذه الجمعيات:
- جمعية واعد للأسرى والمحررين.
- جمعية النور.
- جمعية قوافل.
- جمعية الفلاح.
- جمعية الأيدي الرحيمة.
- جمعية السلامة.المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج: تم إدراجه أيضاً ضمن القائمة بتهمة العمل كواجهة سياسية وجمع تبرعات لصالح الحركة.
ويعني استهداف القنوات المالية المرتبطة بالعمل الإغاثي أن التأثير لن يتوقف عند حدود الجمعيات والمؤسسات، بل سيمتد إلى الأسواق المحلية وسلاسل التوريد وفرص التشغيل وحركة السيولة النقدية. وبذلك، فإن أي قيود جديدة على التمويل أو التحويلات أو نشاط المنظمات الإنسانية تترك أثراً مضاعفاً على اقتصاد هش فقد معظم أدواته التقليدية، في وقت تبدو الفئات الأكثر اعتماداً على المساعدات وفي مقدمتها النازحون والأيتام والأرامل الأكثر عرضة لدفع كلفة هذه الإجراءات، بخاصة مع غياب شبكات أمان بديلة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية.
وأعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على ست جمعيات خيرية تنشط في قطاع غزة، ومجموعة دعمت سفناً حاولت كسر الحصار المفروض على القطاع، في يناير/ كانون الثاني الماضي، وفي مارس/ آذار الماضي كذلك فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أربع جمعيات خيرية أخرى.
وكان المركز الفلسطيني للدراسات السياسية قد أصدر ورقة بحثية تحت عنوان "الاقتصاد الإغاثي في غزة: كيف تهدد العقوبات الأميركية تماسك البنية الاجتماعية؟"، تناولت التداعيات الخطيرة للعقوبات الأميركية الأخيرة على الجمعيات الإغاثية العاملة في قطاع غزة. وكشفت الورقة أنّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تجميد التمويل، بل تمتد لتقويض شبكة الأمان الاجتماعي التي يعتمد عليها مئات الآلاف من النازحين والأيتام والأرامل، في ظل انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية المحلية.
وأشارت إلى أنّ الاقتصاد الإغاثي أصبح العمود الفقري للاستهلاك وفرص العمل في غزة، حيث تمثل المساعدات نحو 70% من الشاحنات الداخلة عبر المعابر، بقيمة شهرية تتجاوز 45 مليون دولار، وأي تعطيل لهذه التدفقات يهدد بانهيار السيولة النقدية وارتفاع معدلات الفقر والجوع.
اقتصاد الإغاثة في غزة
بدوره، يقول المختص في الشأن الاقتصادي، خالد أبو عامر، إن خطورة العقوبات الأميركية لا تكمن فقط في تعطيل عمل بعض الجمعيات أو التضييق على التحويلات المالية، بل في أنها تصيب أحد أهم المكونات الفعلية للاقتصاد الغزي في هذه المرحلة، وهو ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الإغاثة"
ويوضح أبو عامر لـ"العربي الجديد" أن هذا القطاع لم يعد مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل تحول إلى ركيزة تشغيل واستهلاك وتمويل داخلي في ظل شبه انهيار للاقتصاد التقليدي.
ويضيف: "هذا الواقع لا يقتصر على الجانب الإنساني، بل ينعكس مباشرة على الدورة الاقتصادية، فمنذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 وحتى مارس/ آذار 2026، دخل إلى غزة نحو 326 ألف منصة نقالة (مشتاح) بما يعادل قرابة 13 ألف شاحنة مساعدات، وبمعدل شهري يناهز 2600 شاحنة، مقارنة بنحو 860 شاحنة تجارية فقط شهرياً".
ويقول إن هذه الفجوة تظهر كيف أصبحت المساعدات هي المحرك الأساسي لتدفق السلع داخل القطاع.
ويتابع أبو عامر: "الأثر المالي لهذه التدفقات بالغ الأهمية، فعند احتساب متوسط قيمة المنصة الواحدة بين 500 و1000 دولار، فإن قيمة المساعدات التي دخلت القطاع خلال الأشهر الخمسة الأخيرة تتراوح بين 160 و320 مليون دولار، بمتوسط شهري يتجاوز 45 مليون دولار".
وهذا يعني، بحسب قوله، إن المساعدات لم تعد مجرد دعم إغاثي، بل تحولت إلى محدد رئيسي لحركة السيولة داخل السوق المحلي، بحيث إن أي تراجع فيها سيقود تلقائياً إلى انخفاض القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، وتباطؤ الحركة التجارية.
ويؤكد أن التأثير يمتد أيضاً إلى سوق العمل، حيث توفر المنظمات الإنسانية عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في قطاعات النقل والتخزين والتوزيع والإدارة والتوريد وتنفيذ المشاريع.
ويحذر من أن تعطيل هذه المنظومة، في ظل واقع اقتصادي قاسٍ، تتجاوز فيه نسبة الفقر 90%، وينخفض فيه الاستهلاك الكلي بنحو 81%، وتصل فيه البطالة إلى أكثر من 83% من القوى العاملة، سيعني عملياً دفع المجتمع نحو مستويات أشد من الاختناق الاقتصادي، خاصة مع معاناة نحو 70% من السكان من نقص حاد في الغذاء، وارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال والنساء الحوامل.
تجدر الإشارة إلى أن العقوبات الأميركية الأخيرة لم تأتِ من فراغ، بل تندرج ضمن سياق أوسع من استخدام الأدوات المالية للضغط على الفلسطينيين، ففي عام 2018 أوقفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مختلف أشكال المساعدات المقدمة للفلسطينيين، بما في ذلك الدعم المباشر للخزينة، وتمويل المشاريع عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إلى جانب وقف مساهمة واشنطن في تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
ورغم استئناف جزء من هذا الدعم في عام 2021 خلال عهد الرئيس السابق جو بايدن، فإن مسار التمويل ظل خاضعاً لحسابات سياسية وأمنية متقلبة، ما أبقى العمل الإغاثي في غزة عرضة للاهتزاز.
المساعدات وسيلة بقاء
من جهته، يقول المختص في الشأن الاقتصادي، محمد الدريملي، إن العقوبات الأميركية على مؤسسات الإغاثة العاملة في غزة جاءت في توقيت بالغ الخطورة، لأن القطاع يعيش اليوم مرحلة غير مسبوقة من الارتهان للمساعدات الخارجية ليس فقط بوصفها دعماً إنسانياً بل باعتبارها وسيلة بقاء يومية لمئات الآلاف من الأسر. ويوضح الدريملي لـ"العربي الجديد" أن 95% من الأسر الغزية تعتمد على المساعدات بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء عبر الطرود الغذائية، أو المساعدات النقدية، أو خدمات الإيواء، أو الدعم الصحي، أو برامج الكفالات والرعاية الاجتماعية.
ويلفت إلى أن هذه النسبة الصادمة تعني أن أي استهداف للقنوات المالية التي تمرّ عبرها المساعدات لا ينعكس على المؤسسات وحدها، بل يضرب أساس الحياة المعيشية داخل القطاع.
ويؤكد الدريملي أن الفئات الأكثر هشاشة ستكون أول من يدفع الثمن، كما أن تقليص عمل الجمعيات الإغاثية سيؤدي إلى تراجع المشاريع الصحية والإيوائية والإغاثية، ويضاعف الضغط على مجتمع يعيش أصلا تحت وطأة نقص الغذاء، وغياب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وفي ظل اقتصاد مدمر وبنية إنتاجية شبه غائبة وارتفاع غير مسبوق في نسب الفقر والبطالة، فإن تقليص الاقتصاد الإغاثي أو محاصرته مالياً يعني تعميق الأزمة الإنسانية من بوابة الاقتصاد، وهو ما يجعل المساعدات في غزة ليست مجرد بند إنساني بل جزءاً من معادلة البقاء الاقتصادي والاجتماعي للسكان.

