اليوم الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦م

سؤال بسيط وإجابة معقدة.. ما هو السعر الحقيقي للنفط الآن؟

اليوم, ١١:١٧:٥٥ ص
أرشيفية
الاقتصادية

وكالات/ الاقتصادية

مع تأثر أسعار النفط بحرب الشرق الأوسط، هناك سؤال واحد يطارد كل من يعمل في تغطية أسواق الطاقة: ما هو السعر الحقيقي للنفط؟ يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في أوقات الأزمات تحديداً يصبح مضللاً أكثر منه واضحاً.

 

الإجابة، كما يحدث دائماً، ليست رقماً واحداً بل تعتمد على نوع الخام، ومكان بيعه، وتوقيت التسليم. في سوق اليوم، يمكن أن تشتري برميلاً بأقل من 80 دولاراً في الولايات المتحدة، أو تدفع ما يقارب 300 دولار لنفس البرميل الأميركي لكن في آسيا. كلا السعرين صحيح وكلاهما لا يروي القصة كاملة.

 

الحرب مع إيران أعادت هذا التناقض إلى الواجهة. فبدلاً من وجود سعر واحد للنفط، أصبح السوق منقسماً بوضوح بين عالمين: سوق مادية تعاني من شح فوري، وسوق مالية تراهن على ما سيحدث لاحقاً.

 

في السوق المادية، حيث تُشترى البراميل الحقيقية وتُنقل إلى المصافي، الأسعار تعكس الواقع الحالي: الإمدادات شحيحة، وسلاسل الشحن مضغوطة، والتكلفة الحقيقية لا تتوقف عند سعر البرميل.

 

فما كان يُباع بفارق سنتات عن المؤشرات العالمية، يُتداول الآن بعلاوات تصل إلى 10 و20 دولاراً، بل وأكثر.

 

 السعودية، على سبيل المثال، رفعت علاوة خامها إلى أوروبا إلى مستويات قياسية، في انعكاس مباشر لشدة الضغوط على الإمدادات.

 

لكن السعر لا يتوقف هنا. تكلفة الشحن التي كانت بالكاد تُذكر، أصبحت عنصراً حاسماً، إذ ارتفعت إلى عشرات الدولارات للبرميل. التأمين كذلك. وعند حساب التكلفة “من الباب إلى الباب”، يصبح السعر الفعلي أعلى بكثير مما تظهره الشاشات.

 

في المقابل، هناك سوق أخرى لا ترى فيها أي برميل فعلي. هذه هي السوق المالية، حيث يتم تداول براميل ورقية عبر العقود الآجلة والمشتقات. 

 

هذه السوق لا تسعّر الحاضر، بل المستقبل وهي انعكاس لتوقعات، وليس للواقع الفوري.. وهنا تكمن المفارقة.

 

في بداية الأزمة، كانت السوق المالية هي من تسعّر الخوف، فقفزت الأسعار إلى مستويات مرتفعة، بينما بقيت السوق المادية أكثر هدوءاً بسبب وفرة نسبية في الإمدادات.

 

اليوم، انعكس المشهد: السوق المادية تسعّر النقص الحالي، بينما السوق المالية بدأت تراهن على نهاية الأزمة.

 

بعبارة أخرى، هناك سوق تقول إن النفط نادر الآن، وسوق أخرى تقول إنه قد لا يبقى كذلك.. والفجوة بين السوقين لا تعني خللاً، بل تعكس وظيفتين مختلفتين: السوق المادية تُخبرك كم يكلف النفط اليوم، والسوق المالية تُخبرك كم قد يكلف لاحقاً.

 

لكن في أوقات الأزمات، يصبح اليوم أكثر أهمية من لاحقاً

 

أما بالنسبة للمصافي، المسألة ليست سعر البرميل بقدر ما هي توفره؛ دفع سعر مرتفع أفضل من عدم الحصول على النفط أصلاً. لأن غياب الإمدادات ليس مجرد تكلفة، بل تهديد وجودي لاقتصاد كامل.

 

الجغرافيا تلعب دوراً أيضاً، فالصدمة بدأت شرق قناة السويس، وهناك كانت أشد، لكن بعض المصافي الآسيوية تدفع فعلياً أسعاراً تتجاوز 170 دولاراً عند احتساب النقل والتكاليف الإضافية. 

في المقابل، تبقى أمريكا الشمالية واحة نفطية نسبياً، حيث تُباع البراميل بأسعار أقل بكثير بفضل وفرة الإنتاج والبنية التحتية.

لكن هذا التفاوت لن يستمر بالضرورة؛ لأنه ومع إعادة توجيه التدفقات العالمية، واندفاع الطلب نحو الإمدادات الأمريكية، قد تبدأ الفجوة بالتقلص تدريجياً.

في النهاية، السؤال عن السعر الحقيقي للنفط قد يكون السؤال الخطأ، لأن النفط لا يملك سعراً واحداً بل عدة أسعار، كل منها يعكس واقعاً مختلفاً: السعر الفوري، سعر التوقع، سعر الشحن، وسعر الخطر.