اليوم الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦م

ثلث القوة العاملة في الضفة الغربية بلا وظائف

اليوم, ١١:٣٤:٣٥ ص
الضفة
الاقتصادية

 يشهد الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية واحدة من أعنف أزماته الهيكلية والتشغيلية خلال العقد الأخير، متأثراً بسلسلة من الصدمات المتتالية التي عصفت بمحركاته الأساسية. أما في قطاع غزة فلا يمكن الحديث عن تراجع، إنما عن انهيار كلي لمختلف المؤشرات الاقتصادية بفعل حرب الإبادة التي استمرت نحو عامين ودمرت كل شيء. وتشير تقديرات إلى أن معدلات البطالة في القطاع تتجاوز 80%. 

وتُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تحولاً جذرياً في مؤشرات سوق العمل بالضفة الغربية، حيث قفزت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، عاكسة حالة من الركود العميق والشلل الذي طال مختلف القطاعات الحيوية.

بقراءة تحليلية أجراها "الاقتصادي" للمسار الزمني لمعدلات البطالة في الضفة الغربية خلال السنوات العشر الماضية (2016 - 2025)، نلاحظ تذبذباً استقر عند متوسطات تتراوح بين 14% إلى 18% في سنوات ما قبل الأزمة الحالية.

وقد سجل عام 2022 أدنى مستوى للبطالة خلال العقد بنسبة بلغت 13.1%، لتبدأ بعدها المؤشرات بالانحراف التدريجي في عام 2023 مسجلة 18.3%.

إلا أن الصدمة الحقيقية تجلت في أرقام عام 2024، حيث انفجر معدل البطالة مسجلاً قفزة هائلة ليبلغ 31.3%، بسبب تداعيات الحرب على قطاع غزة، قبل أن يتراجع تراجعاً طفيفاً غير ملموس الأثر في عام 2025 ليصل إلى 28.7%.

وتستند هذه الأرقام إلى المعيار الدولي (ICLS-19th) الذي يعرّف العاطلين عن العمل بأنهم الأفراد المتاحون للعمل والذين قاموا بالبحث "النشط" عنه خلال الأسابيع الأربعة الماضية. هذا يعني أن المنهجية تستثني العمال المحبطين (الذين يئسوا من إيجاد فرص عمل وتوقفوا عن البحث). ولو تم إدراج هؤلاء المحبطين ضمن القوى العاملة المتعطلة، لكانت المعدلات الحقيقية للبطالة أعلى بكثير من حاجز الـ 30%.

محركات الانهيار 
لا يمكن قراءة هذه القفزة المرعبة في معدلات البطالة بمعزل عن السياق الاقتصادي والسياسي الخانق الذي يمر به الشارع الفلسطيني، والذي يمكن تلخيصه في ثلاثة مسببات رئيسية:

الإغلاق القسري وفقدان "عمال الداخل" لمصدر دخلهم 

شكلت العمالة الفلسطينية في إسرائيل لعقود طويلة رافداً رئيسياً للسيولة النقدية في السوق المحلي. ومع التوقف شبه الكلي والمفاجئ لقرابة 200 ألف عامل عن العمل فقد الاقتصاد الفلسطيني كتلة نقدية ضخمة كانت تضخ شهرياً نحو 1.5 مليار شيكل في شرايين السوق.

هؤلاء العمال وجدوا أنفسهم فجأة في صفوف البطالة دون أي شبكات حماية اجتماعية أو بدائل تشغيلية محلية قادرة على استيعاب هذه الأعداد الضخمة.

 أزمة المقاصة والتعثر المزمن في صرف الرواتب
بالتوازي مع صدمة عمال الداخل، واجهت السلطة الفلسطينية أزمة مالية خانقة ناتجة عن الاقتطاعات الإسرائيلية المستمرة من أموال الضرائب (المقاصة).

أدى ذلك إلى عجز مزمن في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه موظفي القطاع العام، مما أسفر عن صرف رواتب منقوصة أو متأخرة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2021.  وأدت احتجاز هذه الأموال بالكامل من قبل إسرائيل إلى تفاقم الأزمة وحالة من الشلل الحكومي. ولأن الموظف الحكومي هو المحرك الأساسي للاستهلاك اليومي، أدى هذا التعثر إلى انهيار حاد في القوة الشرائية، مما انعكس فوراً على قطاعات التجزئة والخدمات.

 انكماش النشاط الاقتصادي العام للقطاع الخاص

النتيجة الحتمية لغياب سيولة "عمال الداخل" وتآكل رواتب "القطاع العام" كانت دخول القطاع الخاص في حالة ركود عميق. المصانع، والشركات التجارية، وقطاع الإنشاءات، والخدمات اللوجستية، جميعها اضطرت لتقليص نفقاتها التشغيلية وتسريح نسب كبيرة من موظفيها لضمان البقاء.

التراجع في النشاط ككل خلق حلقة مفرغة: انخفاض الاستهلاك يؤدي إلى تقليص الإنتاج، وتقليص الإنتاج يؤدي إلى تسريح مزيد من العمال، لترتفع معدلات البطالة مجدداً.