اليوم السبت ٢٥ أبريل ٢٠٢٦م

الاقتصاد الفلسطيني تحت نار الاعتداءات الاستيطانية

اليوم, ٣:١٤:٤٩ م
الاستيطان
الاقتصادية

كتبت حنين غالب:

الاعتداءات الاستيطانية في الضفة الغربية لم تعد مجرد أحداث أمنية أو اجتماعية، بل تحولت إلى ظاهرة اقتصادية-سياسية ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل البنية الإنتاجية الفلسطينية وإضعاف قدرة المجتمع على الصمود. منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع تصاعد الحرب في غزة، شهدت الضفة الغربية موجة غير مسبوقة من العنف الاستيطاني، حيث سجّلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أكثر من 7,700 اعتداء خلال عامي 2024 و2025، بينها نحو 680 اعتداء بالحرق، منذ بداية 2026 وحتى منتصف أبريل، سجّل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أكثر من 1,800 اعتداء من قبل المستوطنين في الضفة الغربية منذ بداية العام، أسفر عن تهجير مئات الفلسطينيين وسقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، هذه الأرقام تعكس حجم العنف وأثره البنيوي على القطاعات الاقتصادية الحيوية، من الزراعة إلى التجارة والنقل.

الزراعة، التي كانت سابقاً تشكّل نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، كانت أولى القطاعات المتضررة. مثلاً في قرى شرق رام الله مثل الطيبة والمعرجات، لم يعد المزارعون قادرين على الوصول إلى أراضيهم المزروعة بالقمح والزيتون، وهي محاصيل أساسية للأمن الغذائي المحلي. عبير س.، من تلك القرى، تحدثت عن واقع مأساوي حيث الهجمات المفاجئة للمستوطنين وسرقة الأغنام وخزانات المياه أدت إلى تهجير شبه كامل للتجمعات البدوية في المعرجات والمليحات. حيث أن الأهالي اضطروا إلى بيع مواشيهم خوفاً من سرقتها، ما أفقدهم مصدر رزقهم الأساسي وأدخلهم في دائرة الفقر البنيوي. هذه ليست حالة فردية، بل يواجه سكان المنطقة حالاً مشابهاً حيث تعترض هجمات المستوطنين أهل قرى دير جرير والطيبة وسلواد والقرى المحيطة، حيث يرتكز سكان المنطقة على محاصيل أراضيهم من القمح والزيتون في دخلهم السنوي، ولكن الحال مؤخراً اختلف جذرياً، بعدما شلت اعتداءات المستوطنين حركة المزارعين ومنعتهم من الوصول لأراضيهم والاعتناء بها، ويفلت المستوطنين مواشيهم وأبقارهم لتأكل محاصيل المواطنين، أو يحرقونها أحياناً، وهذه الحالات تعكس سياسة ممنهجة لتفريغ الأرض من سكانها وتجفيف مصادر رزقهم، وهو ما يترجم اقتصادياً إلى تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الواردات، وبالتالي تفاقم العجز التجاري الفلسطيني.

في شمال الخليل، المشهد يتكرر بصورة أخرى. المزارع صفوت قضاء الخليل أوضح أن حاجزاً عسكرياً مغلق معظم الوقت يمنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم الزراعية في منطقة وادي سعير الغنية بالأراضي الزراعية والتي أصبحت أيضاً تحت سيطرة المستوطنين. هذه الهجمات المتكررة جعلت الناس يخافون من الوصول إلى أراضيهم، ما أجبرهم على البحث عن مصادر دخل بديلة أقل إنتاجية وأكثر هشاشة. هذا الواقع يعكس تكاليف الفرصة البديلة التي يفرضها الاستيطان على الاقتصاد الفلسطيني، حيث يُجبر المزارعون على التخلي عن أراضيهم والبحث عن أعمال هامشية، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر البنيوي وإضعاف الأمن الغذائي.

لكن الاعتداءات لا تقتصر على الزراعة، بل تمتد إلى كل معالم الاقتصاد المحلي، حتى التجارة الصغيرة التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد. في البلدة القديمة بالخليل مثلاً، أُغلقت أكثر من 500 محل تجاري بسبب القيود العسكرية وهجمات المستوطنين، ما أدى إلى فقدان مئات الأسر لمصدر رزقها. معتز ن. صاحب محل تجاريّ هناك أكد أن الاعتداءات المتكررة جعلت أصحاب المحال غير قادرين على الاستمرار في ظل الخسائر اليومية التي يتكبدونها بسبب هذه الاعتداءات وخوف المواطنين من الوصول للمنطقة والتبضع بالتالي تكدس البضائع وتلفها. وفي قضاء نابلس، أبو هاني، صاحب مشحمة سيارات أوضح أن محله، القريب من بوابة حدودية، يتعرض باستمرار لهجمات المستوطنين الذين يحرقون المركبات ويكسرونها. حيث يضطر الرجل إلى إغلاق محله معظم الأيام، ومع ذلك يتعرض للاعتداءات حتى وهو مغلق. ناهيك عن خوف الزبائن عن الوصول لمحله، ما أدى إلى انخفاض الطلب بنسبة تقارب 70% في الأعوام الثلاثة الأخيرة. هذه الأمثلة تعكس ظاهرة أوسع: شلّ الحركة التجارية وإضعاف الثقة في السوق المحلي، وهو ما ينعكس على مؤشرات الاستهلاك الكلي ويضعف القدرة الشرائية للأسر.

أما القطاع الأكثر حساسية وهو النقل والإمداد، الذي يمثل شريان الاقتصاد الفلسطيني. فالحواجز العسكرية والإغلاقات المتكررة، إضافة إلى هجمات المستوطنين على الطرق الرئيسية والالتفافية، أدت إلى تعطيل حركة البضائع ورفع تكاليف النقل بنسبة تصل إلى 30%. المستوطنون لا يكتفون بإغلاق الطرق أحياناً، بل يهاجمون المركبات ويحرقونها في بعض المناطق، كما حدث مع شاحنة نقل أغذية في الخليل التي أُحرقت بالكامل، ما أدى إلى خسائر كبيرة لصاحبها. يجدر الذكر هنا أن معظم شركات التأمين الفلسطينية لا تغطي الأضرار الناتجة عن اعتداءات المستوطنين، ما يرفع تكاليف الاستبدال والصيانة ويؤثر على سلاسل الإمداد. هذه الظاهرة لا تخص حالة واحدة، بل هي جزء من حصار اقتصادي ممنهج يهدد استمرارية المشاريع التجارية والصناعية في الضفة الغربية.

وهناك أمثلة موثقة من تقارير دولية تعزز هذه الصورة. في دير شرف قرب نابلس مثلاً، مصنع الجنيدي للألبان تعرض للحرق مرات عديدة خلال عامين فقط، بخسائر قدرت بملايين الشواكل، وانخفض الإنتاج الزراعي بنسبة 90% (من 12 مليون شتلة إلى 1.5 مليون فقط). في الفندقومية قرب جنين، أكثر من 200 مستوطن أحرقوا منازل ومركبات، ما أدى إلى تهجير عائلات كاملة مثل عائلة الزعبي. تقرير أوتشا أشار إلى أكثر من 1000 هجوم استيطاني في 230 مجتمعاً بالضفة الغربية عام 2025، 60% منها في نابلس ورام الله والخليل. هيومن رايتس ووتش أكدت أن عام 2026 يسجّل أعلى مستويات العنف منذ عقدين.

في التحليل البنيوي، يمكن القول إن الاعتداءات الاستيطانية وبحجمها هذا فهي تؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر عبر ضرب مصادر الدخل الأساسية، ما يضعف القدرة الشرائية للأسر ويزيد معدلات البطالة. كما أنها ترفع مخاطر الاستثمار المحلي والدولي، حيث يؤدي غياب تغطية التأمين وتكرار الاعتداءات إلى عزوف المستثمرين عن القطاعات الزراعية والتجارية. إضافة إلى ذلك، فإن تراجع الإنتاج المحلي الزراعي والغذائي يزيد الاعتماد على الواردات، ما يفاقم العجز التجاري الفلسطيني ويضع ضغطاً إضافياً على العملة المحلية. هذه الاعتداءات تمثل أيضاً تكاليف فرصة بديلة مرتفعة، حيث يُجبر المزارعون والتجار على التخلي عن أعمالهم والبحث عن مصادر دخل بديلة أقل إنتاجية وأكثر هشاشة، والأرقام والشهادات الميدانية تؤكد أن الأزمة لم تعد ظرفية، بل هي أزمة اقتصادية سياسية بنيوية تتطلب معالجة على مستوى السياسات الدولية، حماية سلاسل الإنتاج، وتطوير أدوات اقتصادية بديلة لتعويض الخسائر التي لم تعد فردية أو محلية.