يعيش قطاع المقاولات في فلسطين تحت ضغوط متزايدة بسبب انخفاض قيمة صرف الدولار أمام الشيقل وكذلك ارتفاع كلفة الإنتاج.
يؤكد رئيس اتحاد المقاولين أحمد القاضي أن سعر الصرف عامل حاسم في عقود المقاولات، خاصة في البيئة المحلية التي تغيب عنها عملة محلية، منوهاً إلى أن التعاقدات تتم بالدولار والمصاريف تدفع بالشيقل.
ويشير إلى أن انخفاض الدولار يؤثر على التوازن المالي للعقود. ويقول: "المقاول يقبض مستحقاته بقيمة أقل فعلياً عند تحويل المبلغ كونه وقع القعد عند سعر صرف مرتفع، وقبض بسعر منخفض"، مبيناً أن الغاية الحقيقية من العقد ممثلة بتحقيق الربح لم تعد متحققة.
معظم التكاليف بالشيقل
ويضيف: "معظم التكاليف التشغلية من أجور ومواد ونقليات تدفع بالشيقل، وهذا أدى إلى تآكل هامش الربح، بل إن الربح تحول إلى خسارة في بعض المشاريع"، مؤكداً أن الأثر كان أكبر في المشاريع الموقعة مع الحكومة خاصة تلك قيد التنفيذ، إذ أن المقاول ملزم بتسليم مشروع في وقت معين، ووفق جدول كميات معين، وبموجب تسعير سابق ليس مرناً كون العقد لا يتضمن تعويضاً عن فارق العملة في حالة فقدانها لقيمتها. ويشير إلى أن ذلك يشمل المشاريع المنفذة من قبل صناديق عربية أو إسلامية أو مؤسسات مانحة ما تسبب بخسائر مباشرة عند تحصيل المستخلصات. أما المشاريع الموقعة مع وزارة المالية مباشرة فلم تتأثر بشكل مباشر كونها تتم بعملة الشيقل، بينما المشاريع الخاصة فقد كانت أكثر تأثراً كونها لا تتمتع بالحماية للتعويض عن فارق العملة".
ويؤكد أن ذلك انعكس على عدم القدرة على تنفيذ المشاريع بنفس الوتيرة، منوهاً إلى أن بعض المشاريع تعثرت وبعضها أصابها البطء في التنفيذ، خاصة المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
لا توقيع على عقود
وأوضح أن المقاولين حاليا لا يستطيعون توقيع العقود قيد الإحالة لأننا لا نعرف ماذا سيحصل في موضوع فرق العملة، مشيراً إلى أن الانخفاض الحاد في الدولار تزامن مع ارتفاع مدخلات الإنشاء، منوهاً إلى أن ارتفاع المحروقات وبخاصة السولار أثر على أسعار مدخلات الإنتاج في قطاع المقاولات.
ويضيف: "المشاريع الحالية قيد الإحالة فيها مشكلة كبيرة وتعاني من التعطل، أما المشاريع المستقبلية فحالة عدم اليقين هي سيدة الموقف بسبب التذبذب في أسعار العملات وأثمان السلع المستوردة من الخارج".
لماذا لم تتراجع أسعار الشقق؟
وفيما يتعلق بأسعار الشقق، قال القاضي إنه من المفروض أن يقود تراجع قيمة الدولار إلى انخفاض في الأسعار، لكن المشكلة في قطاع المطورين العقاريين أن جزءاً كبيراً من العقود كانت موقعة في السابق، أي حينما كان الدولار مرتفعاً وخلال عملية البناء النفقات كانت بالشيقل، لكن حينما تم استيفاء المتحصلات كان الدولار منخفضا، لذلك فإن عدم وجود استقرار وحماية في التسعير أربك دراسات الجدوى في المشاريع، منوهاً إلى أن هذا الموضوع يمكن أن يؤثر مستقبلا في موضوع النزاعات التعاقدية.
وينوه القاضي إلى أنه في حالة تثبيت سعر الصرف عند 3 شواقل على سبيل المثال يعني أن سعر الشقة سيكون بالشيقل، وفي حالة نزول سعر الصرف عن هذا الحد سيقوم المشتري بتعويض الفارق، أما العكس فإن المطور العقاري هو من يجب أن يعوض المشتري عن الفارق.
ويقول القاضي: إن انخفاض سعر صرف الدولار لا يؤدي بالضرورة إلى هبوط في أسعار العقارات، كون أن بعض المطورين اشتروا الأرض بسعر دولار مرتفع نسبياً، ولذلك في حالة هبوط قيمة الدولار أمام الشيقل يعني تلقائياً انخفاضاً في قيمة الأرض، لذلك يضطر إلى تعويض هذه الخسارة بعدم تنزيل الأسعار.
وطالب بإعادة التفاوض بين المقاولين والمطورين مع الجهات المتعاقدة لحفظ التوزان والحقوق، موضحاً أن عدداً كبيراً من المشاريع قد يتعثر في حالة عدم معالجة الموضوع.
ويضيف: "البنوك أصبحت تتعامل معنا بحذر أكبر في ظل تذبذب العملة، وهذا أصبح يؤثر على التدفق المالي للمقاولين، فهناك خسارة في الأسعار وتأخر في تحصيل المتأخرات الحكومية، وارتفاع في الشيكات المرتجعة نتيجة تعثر العديد من القطاعات، وتراجع القدرة على الإقراض، ما أدى إلى اختناق مالي في كافة مكونات القطاع"، مشيراً إلى أن هذه المشاكل مرتبطة كذلك بسلاسل التوريد، فنظراً للإقبال على الدولار المنخفص أصبح هناك شحا في هذه العملة بالسوق، وهو ما يتسبب في نقص توفير العملة اللازمة.
غياب آلية لامتصاص الصدمات
ويبين أن المشكلة حالياً تكمن في عدم وجود إطار قانوني وآلية مالية لامتصاص الصدمات ومعالجة المخاطر التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني ككل وقطاع المقاولات بوجه خاص، مشيراً إلى أن انخفاض الدولار كان يصب في صالح المستهلك النهائي، ولكن حينما يتم النظر إلى السوق اليوم نجد أن جميع المشاريع زادت تكلفتها بنحو 15% نظراً لتزامن انخفاض الدولار مع مشكلة الارتفاع الكبير في مدخلات الإنتاج التي تشترى بالشيقل. ويوضح أن هذه المشكلات تركت تأثيراً هيكلياً وليس ظرفياً على قطاع المقاولات.
ويؤكد القاضي أن قطاع المقاولات يطالب بتثبيت سعر صرف الدولار أمام الشيقل في العقود المختلفة لضمان التوازن المالي للأطراف المختلفة بما فيها المطورون.
ويشير إلى أن انخفاض الدولار يؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية لدى المواطن بطريقة غير مباشرة، إذ أن الأغلب يكون دخله بالشيقل بينما تسعر العقارات بالدولار، مبيناً أن تذبذب أسعار الصرف تجعل المواطن محتارًا في اتخاذ قرار الشراء من عدمه، وكذلك لا تجعل قطاع العقارات ملاذاً آمناً عند البعض، ما يؤدي إلى تباطؤ في الطلب.
حالة جمود
وينوه القاضي إلى أن سياسة التحفظ من قبل البنوك في منح القروض سواء لموظفي القطاع العام أو غيرهم نتيجة الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية وارتفاع المخاطر، انعكس على وضع قطاع العقارات الذي تراجع عليه الطلب، ما أدى إلى حالة من الجمود على حركة البيع والشراء، منوهاً إلى أنه صحيح أن بعض المواد تراجعت تكلفتها نتيجة انخفاض الدولار، لكن معظم التكاليف مدفوعة بالشيقل مثل بعض المواد الأساسية في البناء وأجور العمال والنقليات، كما أن معظم المواد زادت أسعارها بنسبة تتراوح بين20-40% خلال السنوات الأخيرة، منوهاً إلى أن الذين استفادوا من حالة انخفاض الدولار هم المستوردون والموردون وليس المقاولين والمطورين.
التحفظ سيد المشهد
ويؤكد أن حالة "عدم اليقين" دفعت أصحاب العقارات إلى التحفظ في سياسة التسعير نظراً لارتفاع كلفة المواد وحالة إغلاق الموانئ وتلقبات الأسعار ووجود مشاكل في سلاسل التوريد، مشيراً إلى أن ذلك يدفع المطورين والمقاولين إلى تسعير بهامش آمن تخوفاً من كل هذه العوامل المتغيرة حتى لو كان هناك ضعف في الطلب، وهذا ينعكس على السعر النهائي للمستهلك، لافتاً إلى انخفاض سعر صرف الدولار تزامناً مع ارتفاع كلفة الإنشاءات ستتقلل من النشاط في قطاع العقارات، وستجعل المستثمرين في هذا القطاع أكثر حذرا، نظراً لتخوفاتهم من تقلبات الأسعار.
ويضيف: "معظم العقود المبرمة من قبل المطورين مع مشترين فيها خسائر كبيرة، نظراً لأن التسعير تم بالدولار الذي شهد انخفاضاً مقابل الشيقل بنحو 20%، ولهذا فإن المطورين سيكونون أكثر حذراً خلال الفترة المقبلة، والتشدد في تسعير مرتفع كهامش أمان لضمان عدم الخسارة، وهذا بدوره لن يؤدي إلى انخفاض في أسعار الشقق رغم تراجع الطلب عليها بفعل الظروف الاقتصادية القائمة".
ماذا تقول الارقام؟
يسهم قطاع المقاولات بنحو 12-13 %من الناتج المحلي الإجمالي(حسب تصريحات القاضي)، ويشغل نحو 20-25% من الأيدي العاملة في فلسطين، إذ ينشط بشكل مباشر وغير مباشر نحو (160) قطاعاً اقتصاديا.
وكانت سلطة النقد الفلسطينية أعلنت نتائج مؤشر أسعار العقارات السكنية في فلسطين للربع الرابع من عام 2025، حيث أظهر المؤشر العام استمرار حالة الاستقرار مقارنة بالأرباع السابقة، مسجلاً نمواً طفيفاً بنسبة 0.63% مقارنة بالربع الثالث من العام نفسه، ليصل إلى 108.2 نقطة، متماشياً مع أداء المؤشرات الفرعية. إذ سجل مؤشر أسعار المنازل ارتفاعاً بنسبة 0.83% ليبلغ 108.4 نقطة، في حين استقر مؤشر أسعار الشقق السكنية عند 107.8 نقطة. ولم يختلف الحال على الأساس السنوي، إذ ارتفع المؤشر العام بنسبة 0.6% مقارنة بالربع الرابع من عام 2024.
ولا شك أن مواصفات العقار المعروض للبيع تبقى عاملاً رئيساً في تحديد سعره. وخلال الربع الرابع من عام 2025، أظهرت البيانات أن 59.9% من الشقق السكنية المعروضة للبيع في فلسطين كانت شققاً جديدة، بمتوسط مساحة بلغ 158.7 متراً مربعاً. كما بيّنت النتائج أن نحو 54.9% من هذه الشقق تضمن حماماً أو حمامين، في حين يحتوي ما يقارب 70% منها يحتوي على ثلاث غرف نوم فأكثر، بالإضافة إلى وجود شرفة.
أما فيما يتعلق بالمنازل المعروضة للبيع، فقد بلغ متوسط مساحتها نحو 235 متراً مربعاً، وكانت 53.7% منها من المنازل الجديدة. كما أظهرت البيانات أن حوالي 70% من هذه المنازل تضم ثلاث غرف نوم أو أكثر، بالإضافة إلى أكثر من ثلاث حمامات. ويُشار إلى أن أسعار العقارات لا تتأثر فقط بالمواصفات الداخلية، بل تلعب عوامل أخرى دوراً محورياً في تحديد السعر، من أبرزها: سعر الأرض المقام عليها العقار، والموقع الجغرافي، وطبيعة الحي السكني.

