تظهر موازنة الطوارئ التي أعلنتها الحكومة للعام الحالي 2026 والمبنية على أساس التدفقات النقدية، أن إجمالي النفقات (باستثناء صافي الإقراض وخدمة الدين العام) سيصل إلى 17.7 مليار شيقل وهو أقل بنحو 1.21 مليار شيقل في برنامج الإصلاح الوطني والبالغ نحو 19.12 مليار شيقل، ما يعكس إجراءات في ضبط النفقات وتنفيذ خطوات تقشفية.
وتفترض موازنة الطوارئ على ضمان الاستمرارية المؤسسية وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في ظل قيود مالية حادة، إذ أن المخصصات الواردة في مشروع قانون الموازنة هي الحدود الدنيا للمخصصات اللازمة لبقاء وجود المؤسسات الدولية، وأن عقد الالتزامات والصرف من المخصصات مرهون بتوفر السيولة المالية، وليست- بالضرورة- التزاماً حكومياً تجاه مراكز المسؤولية المالية.
وتبلغ قيمة تعويضات العاملين في هذه الموازنة نحو 9.4 مليار شيقل، تشكل 51% من إجمالي النفقات الجارية، إذ تم اتخاذ إجراءات استباقية لاحتواء نمو فاتورة الرواتب وأعداد الموظفين خلال العام 2026، بيننما تمثل فاتورة الرواتب وأشباه الرواتب ما نسبته 66% من النفقات الجارية و78% من صافي الإيرادات، و71% من موازنة مراكز المسؤولية، ما يعكس الهيكل الجامد للإنفاق الجاري.
ووفق الموازنة، فإن إجمالي الدعم الحكومي المخصص لدعم الوقود والكهرباء والمياه سواء للمخيمات أو فرق التعرفة يفوق 1.3 مليار شيقل في الموازنة. وتتضمن الموازنة ترشيداً في بند السفر بنسبة 44% مقارنة مع ما كان عليه العام الماضي.
وكان حجم الإيرادات الفعلية بلغ في العام 2024 نحو 14.57 مليار شيقل بينما بلغت النفقات نحو 19.36 مليار شيقل بعجز يقترب من 5 مليارات شيقل، بينما بلغت الإيرادات في العام 2025 نحو 15.28 مليار شيقل وإجمالي النفقات نحو 18.83 مليار شيقل بعجز بلغ نحو 3.55 مليار شيقل.
ولكن هذه الأرقام ظلت أسيرة احتجاز أموال المقاصة، والتي تشكل نحو 67% من إجمالي الإيرادات، بينما لم تشكل الإيرادات المحلية سوى 33% من الإيرادات.
وكانت النفقات الجارية استحوذت على 95% من إجمالي الإنفاق خلال العام2025 مقابل 5% فقط للنفقات التطويرية.
وتكشف بيانات الموازنة أن الدعم الخارجي للموازنة ارتفع من 1.3 مليار شيقل في 2023 إلى 3 مليارات شيقل في عام 2024، ثم إلى 3.2 مليار شيقل في عام 2025، ما يعكس قفزة استثنائية في 2024 تبعها وتيرة نمو أكثر اعتدالاً. وتركزت الزيادة بشكل رئيسي في تمويل الموازنة الجارية، فيما بقي تمويل الموازنة التطويرية شبه مستقر، ما يشير إلى توجيه الجزء الأكبر من الدعم نحو تغطية النفقات التشغيلية.
وتوقعت موازنة 2026 أن تصل قيمة العجز قبل المنح نحو 3.78 مليار شيقل، ما نسبته 6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تصل قيمة العجز بعد المنح نحو 1.30 مليار شيقل، أي 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي حال عدم تحويل المقاصة المحتجزة قد يصل صافي العجز النقدي إلى 11.86 مليار شيقل أي ما يعادل 18.9 % من الناتج المحلي الإجمالي.
يقول الخبير في شؤون المالية العامة مؤيد عفانة إن سياق إعداد موازنة العام 2026 كموازنة طوارئ واقعية تعتمد على التدفقات النقدية المتاحة، جاء استجابة للحالة الطارئة في فلسطين، بسبب الخنق الاقتصادي الإسرائيلي، وحجز كافة إيرادات المقاصة منذ شهر أيار 2025، مما أفقد الموازنة العامة 68% من إيراداتها المقدرة، عدا عن تراجع الاقتصاد الفلسطيني ككل بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، والحصار الاقتصادي الخانق في الضفة الغربية، ومن خلال أدوات عدة، منها تصفير إيرادات المقاصة، ومنع العمال من العودة لأعمالهم داخل الخط الأخضر وتقطيع أوصال الضفة الغربية بمئات البوابات والحواجز وغيرها.
ويؤكد عفانة بأنه لم يكن ممكناً اعتماد موازنة كلاسيكية ضمن هذه الظروف، لذا كان لزاما التوجه نحو موازنة طوارئ تقوم على التدفقات النقدية المتاحة، وتعزز من صمود المواطن الفلسطيني، وتركز على ضمان الاستمرارية المؤسسية وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في ظل قيود مالية حادة.
ويرى عفانة أن موازنة 2026 حملت جملة قضايا إيجابية وضرورية، منها تخفيض وترشيد النفقات التشغيلية بشكل صارم، وبما يشمل مهام السفر، ووقف النفقات التطويرية من الخزينة العامة، وإيلاء الأولوية لضمان استمرار خدمات قطاعات التعليم والصحة والأمن والحماية الاجتماعية، ومن القضايا الإيجابية أيضا رفع موازنة الطوارئ للاستجابة للحالات الطارئة، خاصة في المناطق التي تتعرض لإجراءات الاحتلال وعنف المستوطنين، إضافة إلى استمرار الدعم الحكومي للفئات المهمشة، وإبقاء الدعم للبترول والكهرباء والمياه.
لكن عفانة يشير إلى أن الموازنة العامة 2026 تواجه تحديات جوهرية في توفر الإيرادات، خاصة يما يتعلق باستمرار دفعات الرواتب، وتغطية النفقات التشغيلية الأساسية خاصة لقطاعات مثل الصحة، كونها تعتمد بشكل رئيس على الإيرادات المحلية، والدعم الخارجي المحدود، لذا لا بد من اجتراح استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على ضغط دولي مكثف للإفراج عن إيرادات المقاصة، وتأمين دعم عربي ودولي عاجل للموازنة من خلال الصندوق الطارئ الذي تم الإعلان عنه من قبل فرنسا والمملكة العربية السعودية في شهر أيلول من العام الماضي، إلى جانب تعزيز المنتجات الوطنية لتوفير إيرادات محلية إضافية، وترشيد الإنفاق العام، وتعزيز الجباية الضريبية دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.

