اليوم الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦م

إسرائيل ترصد 730 مليون دولار للدبلوماسية العامة لمواجهة تدهور صورتها عالمياً

اليوم, ١٠:١٦:٠٩ ص
إسرائيل
الاقتصادية

كشفت تقارير إسرائيلية عن تخصيص حكومة الاحتلال موازنة غير مسبوقة تبلغ نحو 730 مليون دولار لعام 2026 لما يُعرف بـ”الدبلوماسية العامة” أو منظومة “الهسبارا”، في محاولة لاستعادة صورتها المتدهورة عالمياً، خاصة بعد الحرب على قطاع غزة، وسط تشكيك متزايد بقدرة هذه الجهود على تحقيق اختراق حقيقي في الرأي العام.

ووفق ما أوردته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، فإن الكنيست أقر في مارس/ آذار الماضي هذه الموازنة الضخمة، التي تفوق بنحو خمسة أضعاف مخصصات العام السابق (150 مليون دولار)، فيما كانت قبل ثلاث سنوات أقل بعشرات المرات، ما يعكس تحوّل “جبهة السردية” إلى أولوية مركزية في استراتيجية الاحتلال.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن بلاده تخوض “حرباً عالمية لكسب القلوب والعقول”، في إشارة إلى تصاعد الرهان على أدوات الدعاية والتأثير، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية.

دعاية منظمة عابرة للوزارات

وتتجاوز هذه المخصصات مجرد الحملات الإعلامية التقليدية، إذ تشمل إنشاء وحدة مركزية للدبلوماسية العامة داخل وزارة الخارجية، إضافة إلى تشغيل “غرفة عمليات إعلامية” تراقب يومياً مئات الوسائل الإعلامية وآلاف المواد المتعلقة بـ”إسرائيل”.

كما خصصت تل أبيب نحو 50 مليون دولار للإعلانات الرقمية على منصات مثل “غوغل” و”يوتيوب” و”إكس”، إلى جانب 40 مليون دولار لاستضافة مئات الوفود الأجنبية من سياسيين وأكاديميين ورجال دين، في إطار بناء شبكات نفوذ داعمة للرواية الإسرائيلية.

وامتدت هذه الجهود إلى التعاقد مع شركة المستشار الأميركي السابق لحملة دونالد ترامب، براد بارسكيل، مقابل 1.5 مليون دولار شهرياً، لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مواجهة ما تسميه “معاداة السامية”، فضلاً عن تمويل شبكات مؤثرين وحملات تستهدف قطاعات محددة، بينها الكنائس الإنجيلية.

وتتقاطع هذه المعطيات مع ما توصلت إليه دراسات بحثية صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، إذ يشير دراسات بحثية عديدة إلى أن “الهسبارا” ليست مجرد خطاب إعلامي، بل منظومة متكاملة تجمع بين الإعلام والدبلوماسية واللوبيات، وتعمل على إعادة إنتاج الرواية الإسرائيلية عالمياً، عبر أدوات ناعمة وخشنة في آن واحد.

ويؤكد المصدر أن هذه المنظومة تعتمد على “تكييف الخطاب وفق الجمهور المستهدف”، واستخدام تقنيات التأثير الرقمي والتضليل، إلى جانب توظيف شبكات العلاقات السياسية والإعلامية، ما يجعلها جزءاً من استراتيجية شاملة لإدارة الصراع على مستوى السردية.

جيل غزة يغير المعادلة

يأتي هذا التصعيد في الإنفاق الدعائي في وقت تشهد فيه “إسرائيل” تراجعاً ملحوظاً في صورتها، خاصة داخل الولايات المتحدة. فقد أظهر استطلاع لمركز “بيو” أن 60% من الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاهها، مقابل 37% فقط يؤيدونها.

كما انعكس هذا التحول داخل الكونغرس، حيث صوّت عدد كبير من أعضاء الحزب الديمقراطي ضد صفقات تسليح لصالح “إسرائيل”، في سابقة تعكس تغيراً في المزاج السياسي.

ويرى أستاذ السياسة في جامعة ميريلاند، شبلي تلحمي، أن ما يحدث يمثل تحولاً “غير مسبوق”، مدفوعاً بظهور ما يسميه “جيل غزة”، وهو جيل من الشباب الأميركيين بات ينظر إلى سياسات الاحتلال بوصفها انتهاكات جسيمة، بل ويصفها البعض بالإبادة الجماعية.

ورغم هذا الاستثمار الضخم، يشكك خبراء في جدوى “الهسبارا” في تغيير الانطباعات الراسخة. ويقول أستاذ الاتصالات في جامعة جنوب كاليفورنيا نيكولاس كول إن “كل أموال العالم لن تُجدي إذا كانت السياسة خاطئة”، مستشهداً بتجربة الولايات المتحدة في حرب فيتنام.

ويتقاطع هذا التقييم مع ما خلصت إليه أدبيات الدبلوماسية العامة، إذ يشير تلحمي إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في السياسات نفسها، وليس في طريقة تسويقها، مضيفاً أن الحملات الإعلامية قد تُحدث تأثيراً محدوداً، لكنها لا تغيّر المواقف العميقة المرتبطة بالوقائع على الأرض.

وبينما تراهن “إسرائيل” على توسيع منظومة “الهسبارا” للخروج من أزمتها، يرى مراقبون أن الفجوة بين الخطاب والواقع تتسع، ما يجعل من الصعب على أي حملة دعائية، مهما بلغت كلفتها، إعادة تشكيل صورة تضررت بفعل سياسات ميدانية مستمرة.