تخوض الأسواق المالية حالياً غمار هبوط تاريخي في قيمة الدولار الأمريكي أمام الشيقل، حيث دخلت العملة الخضراء دوامة تراجع حاد لم تشهدها الأسواق منذ أكثر من ثلاثة عقود. فمنذ كسر الدولار حاجز الثلاثة شواقل هبوطاً، فقدت العملة توازنها بشكل متسارع وغابت البوادر الفنية للاستقرار، وصولاً إلى مستويات متدنية غير مسبوقة بكسر حاجز 2.91 شيقل وتثبيت السعر المرجعي عند 2.903، ما يعكس عمق الأزمة النقدية للدولار في السوق المحلية التي فقدت نحو 20% من قيمتها مقارنة بذروة العام الماضي.
ويرى المحللون الاقتصاديون أن قوة الشيقل باتت حقيقة راسخة يصعب تجاوزها في المدى المنظور نتيجة عوامل بنيوية صلبة، يتصدرها التدفق الضخم للاستثمارات المباشرة وعمليات التخارج الكبرى في قطاع التكنولوجيا المتقدمة التي تضخ سيولة دولارية هائلة في السوق. وبحسب الخبراء، فإن المؤسسات المالية تواصل تقليص انكشافها على العملات الأجنبية ليصل إلى مستويات تتراوح بين 17% و18%، تزامناً مع موجة تفاؤل بشأن انحسار التوترات مع إيران، مما عزز أداء البورصات العالمية وانعكس قوة إضافية لصالح الشيقل مقابل سلة العملات.
وفي ظل صمت بنك إسرائيل وعدم إعلانه عن أي نية للتدخل المباشر حتى الآن، يدرس الخبراء السيناريوهات المحدودة التي قد تعكس هذا المسار التنازلي للدولار، حيث يبرز تدخل البنك المركزي عبر خطة شراء ضخمة تتراوح بين 30 إلى 40 مليار دولار كأحد الحلول المطروحة لحماية قطاع الصادرات. كما تظل الفرضيات الجيوسياسية قائمة، إذ إن العودة إلى مربع التصعيد العسكري أو حدوث صدمات في الأسواق العالمية قد يدفع المستثمرين مجدداً نحو الدولار كملاذ آمن، بالإضافة إلى احتمالية تأثر السعر ببيانات التضخم الأمريكية التي قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي لرفع الفائدة.
وعلى مستوى الحلول الجذرية، تبرز دعوات اقتصادية لضرورة إبعاد أنشطة المؤسسات المالية وصناديق التقاعد عن آلية تحديد سعر الصرف اليومي، نظراً لضخامة هذه المدخرات وتأثيرها المباشر على تقلبات العملة. ويقترح المختصون تحييد التغيرات في قيمة الاستثمارات طويلة الأجل عن كشوف الأرباح والخسائر الجارية، مع حث وزارة المالية على التدخل عبر شراء العملات الأجنبية مقابل إصداراتها الخارجية، وهو ما قد يوفر الطلب المفقود في السوق حالياً ويعيد التوازن المفقود لمنظومة الصرف التي باتت تحت رحمة الفائض الدولاري الناتج عن قطاع التكنولوجيا والمؤسسات الكبرى.

