اليوم الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦م

المادة (41) من قانون العمل الفلسطيني: من حماية المؤسسات إلى "مقصلة" لحقوق العمال

اليوم, ١٠:٣٨:٥٨ ص
قانون العمل
الاقتصادية

بقلم: حسام زكارنة (استشاري أعمال)

منذ انعطافة السابع من أكتوبر 2023، لم يواجه المجتمع الفلسطيني تحديات سياسية وأمنية فحسب، بل دخل في أتون واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخه المعاصر. وبينما تتصدر أخبار الدمار المادي واجهات الإعلام، تتسلل أزمة "صامتة" إلى بيوت آلاف العائلات الفلسطينية، تتمثل في استغلال بعض النصوص القانونية للالتفاف على حقوق الموظفين، وعلى رأسها المادة (41) من قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000.

المادة 41: النص بين "الضرورة" و"الاستغلال"

صيغت المادة (41) لتكون صمام أمان يحمي المؤسسات الاقتصادية من الانهيار الكلي في الظروف القاهرة، حيث تجيز لصاحب العمل إنهاء عقود العمال لأسباب فنية أو خسائر تقتضي تقليص العدد، شريطة إشعار وزارة العمل وضمان الحقوق المالية للموظف.

إلا أن الواقع الميداني بعد الحرب كشف عن تحول خطير؛ فقد باتت هذه المادة "بوابة خلفية" للتهرب من تبعات الفصل التعسفي. لم يعد إنهاء الخدمة يُبنى على عجز مالي حقيقي في كثير من الأحيان، بل تحول إلى أداة لتقليص الالتزامات المالية وإعادة صياغة بيئة العمل بسلطة مطلقة لصاحب العمل وتكلفة أقل للعامل.

"إعادة الهيكلة": الغطاء القانوني للفصل التعسفي

أخطر ما يواجه العامل اليوم هو "شرعنة" الفصل تحت مسميات براقة مثل "إعادة الهيكلة" أو "تقليص النفقات". وفي تناقض صارخ، نجد مؤسسات تنهي خدمات موظفيها ذوي الخبرة بذريعة الأزمة المالية، وفي الوقت ذاته تستمر في التوظيف أو تستبدلهم بعمالة مؤقتة أو موظفين ضمن برامج التشغيل المدعومة.

هنا ننتقل من "أزمة اقتصادية" إلى "سقوط أخلاقي وقانوني"؛ فكيف يستقيم ادعاء العجز المالي مع استبدال الكوادر الدائمة بأخرى أقل تكلفة وأضعف حماية؟ إنها عملية التواء على روح القانون لتحويل الموظف من "شريك نجاح" إلى مجرد "رقم استهلاكي" يمكن استبداله في أي لحظة.

الحرب كذريعة للاستقالة القسرية

لا أحد ينكر فداحة الخسائر التي تكبدها القطاع الخاص بسبب الحرب، لكن الأزمة تكمن في اتخاذ المناخ العام ذريعة لممارسات غير عادلة. في ظل ارتفاع معدلات البطالة، يجد الموظف نفسه في الحلقة الأضعف، مما يدفعه للصمت أو القبول بـ"الاستقالة القسرية".

يُمارس على الموظف ضغط نفسي وتهديد مبطن: "إما الاستقالة الودية أو الفصل بموجب المادة 41"، وهو ما يدفعه للتنازل عن حقوقه "طواعية" خوفاً من الإدراج في قوائم سوداء أو الدخول في نزاعات قانونية طويلة في سوق عمل منهار.

برامج التشغيل: من دعم الخريجين إلى أداة استبدال

تحولت برامج التشغيل المؤقت، التي وُجدت لدعم الشباب، إلى وسيلة للتحايل في يد بعض أصحاب العمل. بدلاً من أن تكون هذه البرامج مكملة للسوق، أصبحت أداة لاستبدال الموظفين الأصليين؛ حيث تُنهى خدمات الكفاءات لفتح المجال لعمالة مدعومة الأجر من جهات مانحة، مما يؤدي إلى ضياع الخبرات المتراكمة وضرب الاستقرار الوظيفي في مقتل.

صرخة نحو الجهات الرقابية

إن التوسع في استخدام المادة (41) بهذا الشكل العشوائي ينذر بانهيار منظومة الأمان الاجتماعي؛ ففصل موظف واحد يعني تهديد استقرار أسرة كاملة بالفقر والديون.

لذا، بات من الملحّ على الجهات الرقابية ووزارة العمل القيام بما يلي:

التدقيق الصارم: التحقق من صحة ادعاءات "الخسارة الفنية" أو "إعادة الهيكلة" قبل منح الموافقة.

مكافحة الاستبدال الوظيفي: منع المؤسسات من توظيف عمالة جديدة (مدعومة أو مؤقتة) في الوظائف التي شملها تقليص الموظفين.

الحماية من التهديد: تفعيل أدوات الرقابة لحماية الموظفين من إجبارهم على الاستقالات القسرية.

إن غياب الرقابة الحقيقية يعني تحويل القانون من أداة حماية إلى سلاح في يد القوي ضد الضعيف، وهو ما لا يستقيم مع مقتضيات العدالة، خاصة في ظل شعب يواجه حرباً وجودية تتطلب التكاتف لا الاستغلال.

المصدر- الاقتصادي.