غزة - نقلاً عن موقع الاقتصادي:
يواجه سكان قطاع غزة غلاءً فاحشاً تجاوز حدود القدرة الشرائية، في أزمة لا تعود جذورها لنقص السلع فحسب، بل لسياسات ممنهجة يتبعها الاحتلال الإسرائيلي لإدارة المعابر وتجفيف الموارد، مما جعل من "البقاء على قيد الحياة" مهمة باهظة التكاليف.
أولاً: "هندسة" الحصار واحتكار التوريد
يرى خبراء اقتصاديون أن الارتفاع الجنوني في الأسعار نتاج مباشر لثلاثة عوامل هيكلية يفرضها الاحتلال:
حصر الاستيراد: تقييد عمليات التوريد بعدد محدود من التجار، مما يخلق احتكاراً قسرياً.
الرسوم الفلكية: فرض جبايات على الشاحنات التجارية تصل إلى 200 ألف شيكل (68.9 ألف دولار) للشاحنة الواحدة، وهي تكلفة تُرحّل مباشرة إلى سعر المستهلك النهائي.
تفتيت "البروتوكول الإغاثي": يسمح الاحتلال بدخول 200 شاحنة يومياً فقط، وهو ثلث ما نص عليه البروتوكول (600 شاحنة)، وخمس الاحتياج الفعلي للسكان (1000 شاحنة).
هذا النقص المتعمد يرافقه إغراق الأسواق بمنتجات منخفضة الجودة، مع منع إدخال المواد الخام والسلع الأساسية ذات القيمة الغذائية المرتفعة، مما أبقى أسعار الضروريات عند مستويات تفوق مرحلة ما قبل الحرب بنسبة 100%.
ثانياً: ميزانية الأسرة الفلسطينية.. عجز دائم واستدانة
تحولت حياة الفلسطينيين إلى حسابات يومية معقدة في ظل انهيار الدخل؛ حيث انخفض نصيب الفرد السنوي من 1250 دولاراً عام 2022 إلى 161 دولاراً فقط في عام 2024.
نموذج للمصاريف اليومية لعائلة من 8 أفراد (مخيم النصيرات):
الطاقة والمياه: 10 شواكل يومياً (شحن هواتف ومياه محلاة).
الوقود الحيوي: 14 شيكلاً يومياً لشراء الحطب للطهي.
الغذاء الأساسي: 30-40 شيكلاً للطبخة اليومية، ترتفع إلى 60 شيكلاً عند إضافة اللحوم (سعر الكيلو 40 شيكلاً).
الإجمالي: يحتاج رب الأسرة لأكثر من 70 شيكلاً يومياً (24 دولاراً) لتأمين الحد أدنى من العيش، بينما لا يتجاوز أجره اليومي 50 شيكلاً، مما يضطره للاستدانة الدائمة.
ثالثاً: الشمال.. معاناة مضاعفة تحت وطأة الفقد
في شمال غزة، تزداد الصورة قتامة؛ حيث تعيش عائلات بلا معيل تحت وطأة أسعار "فلكية" للخضروات والفواكه. تصف نور خليل، وهي أرملة وأم لطفلين في جباليا، اعتمادها الكلي على "التكيات" التي لا تتوفر بانتظام، مما يضطرها لشراء احتياجات بسيطة للأطفال والخبز بتكاليف تلتهم أي مساعدات نقدية شحيحة تحصل عليها.
رابعاً: "الضربة المزدوجة" لموظفي المؤسسات الدولية
حتى الفئات التي تمتلك دخلاً بالعملة الصعبة (الدولار) لم تسلم من الأزمة، فيما وصفه المواطن سعيد فايد بـ"الضربة المزدوجة":
تآكل العملة: انخفاض سعر صرف الدولار مقابل الشيكل من 3.7 إلى 2.9 شيكل.
تضخم الأسعار: كرتونة البيض سجلت 40 شيكلاً، والبندورة والخيار تراوحا بين 15-16 شيكلاً للكيلو، فيما باتت الفواكه "رفاهية غائبة" بأسعار تصل لـ 40 شيكلاً للكيلو.
وبينما سجلت معدلات البطالة 80% والفقر 90%، تظل الأسواق في غزة رهينة للقيود العسكرية الإسرائيلية وتكاليف النقل الباهظة. ويؤكد المحللون أن استمرار هذه السياسات سيجعل من تأمين الغذاء والدواء "مهمة مستحيلة"، محذرين من تعمق الكارثة الإنسانية ما لم يتم فتح المعابر بشكل كامل وإلغاء القيود المالية المفروضة على الشاحنات.

