غزة/ الاقتصادية
بين وعود الثراء السريع التي تضج بها الفضاءات الرقمية، وحقائق الخسارة القاسية التي تصطدم بأرض الواقع، يخوض مئات الفلسطينيين يومياً غمار واحد من أشرس الأسواق المالية وأكثرها تعقيداً في العالم؛ سوق البورصات الأجنبية غير النظامية (Forex).
هذا السوق الضخم، الذي لا ينام ويعمل على مدار أربع وعشرين ساعة لخمسة أيام في الأسبوع، لم يعد حكراً على البنوك المركزية وصناديق التحوط، إنما بات مسرحاً مفتوحاً للأفراد الذين تجذبهم السيولة العالية وإغراء "الرافعة المالية"، تلك الأداة السحرية التي تتيح للمتداول التحكم بمبالغ ضخمة برأس مال بسيط، فتضخم أرباحه في لحظة، أو تبتلع مدخراته بالكامل في اللحظة التي تليها.
يسمح هذا السوق للمشاركين فيه مثل البنوك والشركات والأفراد بشراء أو بيع العملات لأغراض التحوط والمضاربة، إذ يعتبر أكبر سوق غير نظامي في العالم، ويتكون من البنوك والشركات التجارية والبنوك المركزية وشركات إدارة الاستثمار وصناديق التحوط والوسطاء والمستثمرين.
تطور تنظيمي وأدوات رقابية غير مسبوقة
في ظل هذه المغريات، ومع الغزو الرقمي للإعلانات المضللة التي تستهدف الشباب، وجدت هيئة سوق رأس المال الفلسطينية نفسها أمام تحدٍ مفصلي. سياسة "الامتناع عن الترخيص" التي تبنتها الهيئة سابقاً لحماية المواطنين، تحولت مع مرور الوقت إلى ثغرة استغلتها كيانات وهمية وغشاشون رقميون للإيقاع بالضحايا.
دفع هذا الواقع الهيئة لاتخاذ قرار استراتيجي وجريء بتحويل نشاط الفوركس من قطاع محظور تقوده الفوضى، إلى قطاع مرخص عبر إدخاله ضمن النظام الرسمي المالي للحد من التلاعب والاحتيال وتنظم النشاط بهدف حماية حقوق المستثمرين والمتعاملين بشكل قانوني ومنظم.
ولتحقيق هذه الغاية، أسست الهيئة بنياناً تشريعياً متكاملاً بدأ بإعداد ورقة سياسات لتنظيم القطاع، تُوجت بإصدار مجلس الوزراء قراراً بالخصوص عام 2023، ثم أصدرت الهيئة تعليماتها التنفيذية رقم (1) لسنة 2024. ولكن التطور الرقابي الأبرز تمثل في تبني الهيئة نظاماً رقابياً إلكترونياً متطوراً عبر مزود مختص، يربطها بشاشات التداول للشركات المرخصة.
هذا النظام الآني يتيح للمراقبين مراقبة كل حركة مالية وكل صفقة، للتأكد من امتثال الشركات، وحماية المتعاملين من أي تلاعب في الأسعار، مع إلزام الشركات بوضع تحذيرات واضحة من المخاطر في كافة إعلاناتها. يتم ذلك عبر فريق فني مختص من الهيئة يراقب ويتابع شاشات التداول على مدار 24 ساعة، ويتيح التواصل المباشر عبر رقم خاص للطوارئ.
فلترة السوق وملاحقة الوهم
ومن الإجراءات التي اتخذتها هيئة سوق رأس المال، اتخاذ قرار بوقف استقبال طلبات ترخيص جديدة لشركات الأوراق المالية لفترة محدودة، لفلترة السوق وتقييم المرحلة.
وبموازاة ذلك، نسقت جهودها مع الأجهزة الأمنية لملاحقة واقتحام ما يسمى بـ "أكاديميات التدريب" والكيانات غير المرخصة التي كانت تبيع الوهم للمواطنين.
وفي سياق ضبط السوق الموازي، فرضت الهيئة شروطاً توصف بالحديدية على الشركات الأربع التي تم ترخيصها (المتحدة، وندسور، سي اف اي، والعالمية)، ملزمة إياها بتوفير رأس مال لا يقل عن ثلاثة ملايين دولار لضمان الملاءة المالية، والحصول على عضوية بورصة فلسطين، واستخدام منصات عالمية مرخصة، لضمان وجود كيان مادي قوي يمكن محاسبته عند وقوع أي خلل.
تشريح المستثمر الفلسطيني: من يلعب بالنار؟
خلف شاشات التداول، ترسم لغة الأرقام وفق الإحصائيات التي حصل عليها "الاقتصادي" من الهيئة لشهري كانون الثاني وشباط من العام 2026 صورة دقيقة لهوية المستثمر الفلسطيني.
تشير البيانات إلى وجود 921 حساباً نشطاً لدى الشركات المرخصة، في حين أن الحسابات لدى الجهات غير الرسمية تقدر بالآلاف. اللافت للانتباه أن هذا السوق "ذكوري" بامتياز، إذ يستحوذ الذكور على 846 حساباً، تاركين للإناث 75 حساباً فقط. وتؤكد الأرقام أن ساحة الفوركس هي ملعب للشباب، إذ تتركز الغالبية العظمى للمتداولين في الفئة العمرية بين 18 و34 عاماً بواقع 587 حساباً، وهي ذات الفئة التي تقع ضحية لأحلام الثراء السريع، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من المتعاملين يتعرضون لخسائر في رأس المال.
وعلى عكس الصورة النمطية التي تربط المقامرة المالية بالجهل أو البطالة، تكشف الإحصاءات وفق تحليل "الاقتصادي" أن المتداول الفلسطيني متعلم وعامل.
الغالبية العظمى من أصحاب الحسابات يحملون درجة البكالوريوس بـ 524 حساباً، وينخرطون في سوق العمل كموظفين في القطاع الخاص الذي سجل 637 حساباً، مقابل 146 حساباً لغير العاملين. مالياً، يقود هذه التداولات أبناء الطبقة المتوسطة، حيث تنتمي الشريحة الأكبر للمتداولين إلى فئة الدخل السنوي التي تتراوح بين 10,000 و25,000 دولار، مسجلة 354 حساباً.
جغرافياً، تتمركز حمى التداول في العواصم الاقتصادية للضفة الغربية؛ إذ تتصدر محافظة رام الله والبيرة المشهد بـ 259 حساباً، تليها نابلس بـ 205 حسابات، ثم الخليل وجنين.
في المقابل، يغيب قطاع غزة بشكل شبه كامل عن هذا المشهد الاستثماري بـ 9 حسابات فقط، ما يعكس تباينات حادة في توزيع السيولة والتوجهات الاستثمارية.
مفارقة التداول: المخاطرة العالية بحثاً عن الملاذ الآمن
تكمن المفارقة في طبيعة السلع التي يتداولها الفلسطينيون. ففي سوق يُصنف على أنه ذروة المخاطرة المالية، يبحث المستثمر الفلسطيني عن "الملاذ الآمن" الكلاسيكي؛ حيث اكتسحت عقود "الذهب" السوق بتنفيذ 62,573 عقداً، تاركة مؤشرات التكنولوجيا والأسواق الأمريكية خلفها، إذ سجل "مؤشر الناسداك" 8,223 عقداً، و"مؤشر داوجونز" 5,902 عقداً، وتوزعت بقية العقود بين الفضة والنفط وعملة اليورو مقابل الدولار. هذا السلوك يعكس حالة من التناقض السيكولوجي؛ رغبة عارمة في المضاربة السريعة، يقابلها خوف عميق يدفعهم للتشبث بالذهب حتى وهم في قلب عاصفة الفوركس.
في المحصلة، يقف سوق الفوركس في فلسطين اليوم على مفترق طرق. المظلة الرقابية التي فرضتها هيئة سوق رأس المال نجحت في كبح جماح المحتالين ووفرت بيئة تداول شفافة وخاضعة للقانون. لكن، يجب ألا يغيب عن الأذهان أن التنظيم يضمن اللعب النظيف، ولا يضمن الربح بأي حال من الأحوال، في سوق يوصف اقتصادياً بأنه "مفرمة" لأصحاب الرؤوس الصغيرة إذا غاب عنهم الوعي المالي.
المصدر/ موقع الاقتصادي

