رام الله/ الاقتصادية
تتعمق الأزمة المالية في فلسطين بوتيرة غير مسبوقة، مع تآكل مصادر الإيرادات وتضاؤل الخيارات أمام الحكومة، في مشهد يقترب من مرحلة الاختناق الكامل.
فبين احتجاز أموال المقاصة، وتراجع الدعم الدولي، واستنزاف أدوات الاقتراض، تجد الخزينة العامة نفسها عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، وعلى رأسها الرواتب والخدمات الحيوية.
وفي ظل هذا الواقع، تتقاطع تحذيرات الخبراء من أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة سيولة مؤقتة، بل تحولت إلى أزمة هيكلية ذات أبعاد سياسية واقتصادية عميقة، تهدد الاستقرار المالي والاجتماعي، وتضع الحكومة أمام تحديات وجودية مع استمرار غياب الحلول الفعلية واتساع فجوة العجز.
من جانبه، دعا الخبير الاقتصادي والباحث في المالية العامة مؤيد عفانة، إلى تحرك عاجل على عدة مسارات لتوفير دعم إغاثي للخزينة العامة، في ظل الأزمة المالية الحادة التي تمر بها الحكومة.
وأوضح في حديث خاص لـ"الاقتصادي" أن من أبرز هذه المسارات ممارسة ضغط دولي على إسرائيل عبر الاتحاد الأوروبي والدول الصديقة للإفراج عن إيرادات المقاصة، أو العمل على تحويل هذه الإيرادات إلى دولة ثالثة تتيح للحكومة الاستفادة منها، أو التوجه للحصول على قروض من دول صديقة بضمان أموال المقاصة، ضمن رزمة خيارات يجب تنفيذها بشكل سريع.
كما شدد على ضرورة إطلاق حملة دولية لتجنيد الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، من خلال تفعيل الصندوق الطارئ الذي أُعلن عنه على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026، بقيادة فرنسا والسعودية، والعمل على ضمان مساهمات شهرية من الدول حتى نهاية العام الجاري، لحين اتضاح الأفق السياسي في ظل الانتخابات الإسرائيلية.
وعلى الصعيد الداخلي، أشار عفانة إلى أهمية ترشيد الإنفاق الحكومي بشكل صارم، عبر الالتزام بتوجهات الموازنة العامة لعام 2026، من خلال خفض الإنفاق التشغيلي إلى الحد الأدنى، ووقف الإنفاق الرأسمالي والتطويري لمدة عام على الأقل، بهدف توجيه الموارد المحدودة نحو الأولويات الوطنية.
وأكد ضرورة ضمان صرف دفعات منتظمة من الرواتب للموظفين بما يحقق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، إلى جانب الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية، خصوصا في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والأمن، بما يعزز صمود المواطنين في ظل الظروف الراهنة.
وفي توصيفه لجذور الأزمة، أكد عفانة أن ما تعانيه المالية العامة هو أزمة سياسية بامتياز، سببها الرئيسي وقف تحويل إيرادات المقاصة بشكل كامل منذ أكثر من عام، ما أدى إلى فقدان الخزينة العامة نحو 68% من إيراداتها.
وأضاف أن هذه التطورات تزامنت مع غياب التمويل الخارجي خلال الأشهر الأخيرة، الأمر الذي جعل الإيرادات المحلية المصدر شبه الوحيد المتاح للحكومة، إلى جانب بعض الإجراءات الفنية التي تنفذها وزارة المالية، مثل التسويات مع الشركات والهيئات المحلية، والاستفادة من التسهيلات البنكية.
وبيّن أن واقع المالية العامة أصبح “معقدا جدا”، واصفا ما يجري بأنه نتيجة “الخنق الاقتصادي الإسرائيلي” الذي يستهدف تقويض الكيانية الفلسطينية وخلق حالة من الفوضى الاجتماعية.
ولفت إلى أن وزارة المالية تواصل العمل عبر أدوات فنية لمحاولة خلق إيرادات، إلا أن هامش المناورة بات محدودا للغاية، خاصة مع استنزاف هذه الأدوات نتيجة طول أمد الأزمة المالية.
بدوره، قال الباحث في معهد أبحاث الدراسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، إن الأزمة المالية للسلطة لم تعد مرتبطة باحتجاز أموال المقاصة، بل هي نتاج تراكمات ممتدة منذ سنوات، تقوم على ثلاثة عوامل رئيسية متداخلة، حيث يتمثل العامل الأول في الانخفاض المستمر في حجم الدعم الدولي المخصص للموازنة الفلسطينية، وهو ما حرم الخزينة العامة من أحد أهم مصادر التوازن المالي خلال السنوات الماضية.
أما العامل الثاني، وفق مسيف، فيتمثل في احتجاز واقتطاع أموال المقاصة لأسباب سياسية، وهي الأموال التي تشكل العمود الفقري للإيرادات العامة الفلسطينية، مشيراً إلى أن قيمة الأموال المحتجزة منذ مطلع عام 2025 بلغت نحو 3.7 مليار دولار، ما أدى إلى تفاقم العجز المالي بصورة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن العامل الثالث يتمثل في تآكل الإيرادات الذاتية للحكومة الفلسطينية نتيجة التراجع الحاد في النشاط الاقتصادي المحلي، بدءاً من تداعيات جائحة كورونا وصولاً إلى التطورات السياسية والأمنية الأخيرة، الأمر الذي قلّص من حجم الضرائب والرسوم المحلية، وحوّل الموازنة من أداة تنموية إلى وسيلة لإدارة الأزمات فقط.
وبيّن مسيف أن الحكومة الفلسطينية حاولت خلال السنوات الماضية احتواء الأزمة عبر سلسلة من الإجراءات، شملت التوسع في الاقتراض المحلي، وخفض النفقات العامة، وتقليص المصروفات التشغيلية، وتأجيل مستحقات القطاع الخاص، إضافة إلى صرف رواتب الموظفين العموميين بنسب جزئية ومتفاوتة.
إلا أن هذه الإجراءات، وفق مسيف، بلغت حدّها الأقصى ولم تعد قادرة على منع الانهيار التدريجي في الملاءة المالية.
وأشار إلى أن السلطة تواجه أزمة سيولة عميقة، لافتاً إلى أن نسبة الدين المحلي إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت إلى نحو 84 بالمئة، متجاوزة بكثير السقف المحدد قانونياً، ما يعكس فقدان الاقتصاد الفلسطيني لقدرته على استيعاب المزيد من المديونية.
أما الباحث ومؤسس مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية إياد الرياحي، أوضح أن الأزمة المالية الخانقة لم تعد تقتصر على فئة دون أخرى، بل طالت معظم المواطنين ومختلف القطاعات، مشيراً إلى أن جذور الأزمة تعود بالدرجة الأولى إلى عجز الحكومة عن تحصيل أموال المقاصة، نتيجة سياسات إسرائيل التي تسعى لتحويل هذا الملف إلى أزمة دائمة داخل المجتمع الفلسطيني، ما فاقم الضغوط على المالية العامة وأضعف قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها.
ولفت الرياحي إلى أن معظم الحلول التي اعتمدت عليها الحكومة خلال الأشهر الماضية لم تعد متاحة اليوم، لافتا إلى أن الرهان على المساعدات الخارجية، بما في ذلك فكرة إنشاء صندوق طارئ يغطي الموازنة العامة لستة أشهر، لم يتحقق عملياً.
كما أشار إلى أن خيار الاقتراض من البنوك وصل إلى حدوده القصوى، في ظل عدم قدرة القطاع المصرفي والدورة الاقتصادية على تحمل مزيد من الديون، ما أدخل الحكومة في مأزق حقيقي انعكس على الموظفين والموردين، لا سيما في قطاعات حيوية مثل الأدوية.
وأشار إلى أن ما فاقم حالة الاحتقان هو ما وصفه بعدم العدالة في توزيع الموارد المحدودة، مستشهداً بصرف نحو 5 آلاف شيكل للعاملين في السلك القضائي باعتباره أولوية، في وقت تعاني فيه قطاعات أساسية كالصحة والتعليم من انهيار متسارع، إلى جانب توقف برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر الفقيرة منذ أشهر، مشددا أن هذه القطاعات يجب أن تكون في صدارة الأولويات، وأن توزيع الموارد يجب أن يتم بشكل عادل وشامل.
وأكد الرياحي أن الإضرابات النقابية قد تحقق بعض المطالب الجزئية، لكنها لن تكون قادرة على حل الأزمة بشكل جذري، نظراً لطبيعتها العميقة، محذراً في الوقت ذاته من الأضرار التي قد تلحق بالمواطنين نتيجة تعطل الخدمات الأساسية، معتبرا أن الحكومة تتحمل مسؤولية عدم توفير موازنات طوارئ لقطاعات حيوية، داعياً إلى مصارحة المواطنين بحقيقة الوضع القائم.
وأضاف أن الأزمة في جوهرها سياسية وليست فنية، ناتجة عن ممارسات الاحتلال، محذراً من الاستمرار في معالجتها عبر أدوات مالية كالقروض، التي أدت إلى تعقيد المشهد بدلاً من حله، كما أشار إلى ما وصفه بفشل الحكومة في تجنيد دعم خارجي دون تقديم تنازلات تمس ملفات حساسة، مثل مناهج التعليم وبرامج الحماية الاجتماعية، كما جرى في اجتماع بروكسل، معتبراً ذلك انتكاسة سياسية.
وحذر الرياحي من أن استمرار احتجاز أموال المقاصة سيقود خلال الأشهر المقبلة إلى عجز الحكومة عن صرف أي جزء من الرواتب، خاصة أن معظم الإيرادات المحلية تذهب لسداد التزامات للبنوك، لافتا إلى أن الأدوات التي استخدمتها الحكومة، مثل ربط شيكات البلديات وكفالة شركات كبرى كقطاع الكهرباء، لم تعد كافية لمعالجة الأزمة.
وأكد أن المخرج من الأزمة يتطلب تحركاً سياسياً بالدرجة الأولى لمعالجة ملف أموال المقاصة، باعتباره المدخل الأساسي لأي حل اقتصادي مستدام.
يشار إلى أن مستحقات الموظفين تجاوزت الـ 2.5 مليار دولار، في حين تدين الحكومة للقطاع الخاص بأكثر من 1.65 مليار دولار، معظمها لصالح المستشفيات وشركات الأدوية، فيما استقر الدين الخارجي عند 1.4 مليار دولار، بالإضافة إلى متفرقات أخرى تقدَّر بـ 1.2 مليار دولار.
وتحتجز إسرائيل أموال المقاصة التي وصلت إلى نحو 15 مليار شيكل منذ شهر أيار 2025، وتشكل 68% من الإيرادات العامة.
و"المقاصة"؛ ضرائب مفروضة على السلع المستوردة إلى الجانب الفلسطيني، سواء من إسرائيل أو من خلال المعابر الحدودية التي يسيطر عليها الاحتلال، وتجمعها تل أبيب لصالح السلطة الفلسطينية.
وتصرف الحكومة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 رواتب منقوصة لموظفيها بسبب تعمّق الأزمة وتراجع الدعم الخارجي.
وكان وزير المالية إسطفان سلامة حذر أكثر من مرة من أن استمرار هذا الواقع المالي يضع السلطة أمام تحدٍّ وجودي، في ظل اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات.
المصدر/ موقع الاقتصادي

