بقلم/ أحمد أبو قمر
يتجاوز ما يحدث في غزة اليوم فكرة "إعادة التدوير" بالمعنى التقليدي، نحن أمام ولادة اقتصاد موازٍ تشكل تحت ضغط الحرب والحصار وانهيار السوق الرسمي، ففي الوقت الذي تتعطل سلاسل الإمداد وتختفي المواد الخام ويتوقف الاستيراد، تبدأ المجتمعات تلقائيا في إنتاج بدائلها الخاصة مهما كانت بدائية".
في الاقتصاد يوجد قاعدة واضحة، الندرة تعيد تعريف قيمة الأشياء. وهذا ما نراه بوضوح في غزة، فالركام الذي يقدّر بـ 68 مليون طن لم يعد مجرد مخلفات حرب، بل تحول إلى أصل اقتصادي قابل للتداول والاستخدام.
الحديد المستخرج من الأبنية المدمرة أصبح مادة خام والأخشاب التالفة دخلت في دورة إنتاج جديدة وحتى البلاستيك المحترق بات جزءا من سوق بديل نشأ خارج الأطر الطبيعية للاقتصاد.
الأخطر والأكثر دلالة أن الحرب لم تدمر البنية التحتية فقط، بل أعادت تشكيل "هيكل السوق" نفسه، فبدلا من اقتصاد يعتمد على الاستيراد والخدمات، يتشكل تدريجيا اقتصاد قائم على الاستخراج من الدمار وإعادة توظيفه.
هذا النوع من الاقتصادات يظهر عادة في مناطق الحروب الطويلة والدول المعزولة، حيث تتحول المخلفات إلى موارد وتصبح القدرة على الإصلاح أهم من القدرة على الإنتاج.
لكن هذه الظاهرة تحمل بعدين متناقضين، فهي من جهة تعكس مرونة المجتمع وقدرته على التكيف ومن جهة أخرى تكشف حجم الانهيار الاقتصادي، لأن الاقتصاد الطبيعي لا يبنى على تفكيك الأنقاض لإعادة إنتاج الحد الأدنى من الحياة. غزة اليوم لا تعيش "اقتصاد تدوير" بالمعنى البيئي، بل تعيش اقتصاد نجاة يُدار بما تبقى من مدينة مدمرة.

