اليوم الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦م

لغز "الشيقل القوي" في إسرائيل: لماذا عجزت العملة المرتفعة عن كبح جنون الأسعار؟

١٨‏/٠٥‏/٢٠٢٦, ١١:١٨:٥٩ ص
ارتفاع الشيكل
الاقتصادية

القدس المحتلة | الاقتصادية:

حملت البيانات الرسمية الصادرة مؤخراً صدمة غير متوقعة للشارع الإسرائيلي الذي كان ينتظر جني ثمار الارتفاع المتواصل في قيمة العملة المحلية؛ فخلف الأرقام الصامتة لمؤشر أسعار المستهلك، تختبئ قصة معقدة من التفاعلات المتناقضة. ويقف بنك إسرائيل (البنك المركزي) اليوم أمام معضلة حقيقية في إدارة السياسة النقدية لعام 2026 وسط ضبابية اقتصادية غير مسبوقة، حيث يواجه شيقلاً قوياً يخفض أسعار السلع المستوردة من جهة، وأسعار طاقة عالمية تشتعل لتلتهم هذه المكاسب وتدفع التضخم نحو مستويات تاريخية من جهة أخرى.

مؤشر تاريخي يعيد الأسواق 18 عاماً إلى الوراء

سجل مؤشر أسعار المستهلك لشهر نيسان/أبريل الماضي قفزة قياسية بمعدل 1.2% في غضون شهر واحد فقط، وهو ارتفاع حاد لم تشهده الأسواق في دولة الاحتلال منذ 18 عاماً جراء الحرب. ويعزى هذا الصعود الاستثنائي في جزء كبير منه إلى الارتفاع الجنوني في أسعار تذاكر الطيران وتكاليف النقل الجوي إثر تداعيات الصراع المستمر بالمنطقة ومخاوف شركات الطيران. ورغم ذلك، تراجعت أسعار المنتجات القابلة للتداول (باستثناء الطاقة) لأول مرة منذ خمس سنوات إلى ما دون الصفر مسجلة انخفاضاً سنوياً بنسبة 0.4%، مما يظهر أثراً جزئياً لقوة العملة.

انفصام بنيوي وفجوة حادة بين المستورد والمحلي

يكشف التحليل المعمق عن حالة من "الانفصام" داخل بنية التضخم؛ فالقطاع المستورد يشهد انكماشاً وتراجعاً في الأسعار بفضل القوة الشرائية المرتفعة للشيقل أمام الدولار، بينما يعاني القطاع المحلي والخدماتي من تضخم عنيد بلغ 2.81%. ويقود قطاع الإيجارات السكنية هذا التضخم المحلي بارتفاع سنوي قدره 3.3%، يليه قطاع السلع المتنوعة بنسبة 3.8%، مما خلق فجوة تاريخية تصل إلى 3.23% بين النوعين. ويراهن المحللون على أن ركود أجور قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهاي تيك) المتأثر بقيمة العملة سيعمل تدريجياً على كبح القوة الشرائية ووقف زيادات الأسعار المحلية.

أسعار الطاقة العالمية تلتهم مفاعيل الشيقل القوي

بناءً على مشهد تراجع أسعار السلع المستوردة، كان من المفترض أن يتجه البنك المركزي نحو خفض أسعار الفائدة لتخفيف العبء عن كاهل الاقتصاد المحلي، لكن قفزة أسعار الطاقة العالمية أفسدت هذه المعادلة تماماً. فقد ألغت أسعار الوقود المرتفعة مفاعيل الشيقل القوي، وتحول مؤشر الطاقة السنوي من تراجع بنسبة 0.2% في آذار/مارس إلى قفزة حادة بلغت 5.3% في نيسان/أبريل الماضي. ونتيجة لذلك، يمتنع المستوردون حالياً عن خفض أسعار السلع بحجة عدم اليقين العالمي، وتلاشي المنافسة خوفاً من عجزهم عن رفع الأسعار مجدداً.

حقول الغاز تفقد درعها الواقي أمام تكاليف الشحن

لطالما تفاخر بنك إسرائيل في قراراته السابقة بأن الاقتصاد المحلي أقل تأثراً بتقلبات الطاقة بفضل الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي المستخرج من حقلي "تمار" و"لفتيان" في البحر المتوسط. لكن المعادلة الراهنة تثبت العكس؛ فبما أن كبح التضخم بات يعتمد كلياً على رخص السلع المستوردة، فإن أي ارتفاع في تكاليف الشحن والإنتاج عالمياً يضرب العمق الإسرائيلي مباشرة. وتخشى الأوساط الاقتصادية تكرار سيناريو موجة عام 2021 عندما بدأت أزمة التضخم من قطاع الطاقة المستوردة، ثم انتقلت كالنار في الهشيم إلى القطاعات المحلية الحيوية.

تراجع حاد بصادرات "الهاي تيك" يهدد النمو الاقتصادي

أظهرت معطيات الربع الأول من عام 2026 تراجعاً في نمو الاقتصاد بنسبة 3.3% على أساس سنوي، ورغم أنها أفضل من توقعات وزارة المالية الصادمة (9.5%)، إلا أنها تعكس تأقلم إكراه بسبب ظروف الحرب. وجاء المؤشر الأكثر إثارة للقلق من دائرة الإحصاء المركزية التي كشفت عن انخفاض حاد في صادرات الخدمات (وعصبها قطاع الهاي تيك) بنسبة 13.2% على أساس سنوي. هذا التراجع يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت القوة المفرطة للشيقل قد بدأت تنهش تنافسية الصادرات الإسرائيلية عالمياً، مما يطلق جرس إنذار أحمر على طاولة المركزي.