غزة/ الاقتصادية
تتجول في الأسواق لتمتد يدك إلى سلع غذائية مستوردة، وترتدي ملابس وأحذية قادمة من مصانع خارجية كُتب على معظمها "صُنع في...". هذا السيناريو اليومي البسيط يختزل واحداً من أهم المفاهيم الاقتصادية التي تحدد مصير اقتصادنا وتتحكم في أسعار السلع التي نشتريها، وهو "الميزان التجاري".
يمثل هذا الميزان الفجوة بين ما نصدره للعالم وما نستورده منه، وفي الحالة الفلسطينية، تميل الكفة بحدة نحو الاستيراد، لندفع ضريبة قاسية لاعتماد أسواقنا بشكل شبه كلي على الخارج.
ولتوضيح حجم هذا الخلل البنيوي، تكفي نظرة سريعة على البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لشهر شباط الماضي، والتي تظهر نزيفاً مستمراً للعملة الصعبة إلى خارج الدورة الاقتصادية المحلية. فقد قفز العجز في الميزان التجاري بنسبة سبعة عشر بالمئة على أساس سنوي، مسجلاً فجوة ضخمة بلغت 551.1 مليون دولار في شهر واحد فقط. هذه الفجوة جاءت نتيجة طبيعية لارتفاع الواردات بنسبة عشرين بالمئة لتتجاوز حاجز 732 مليون دولار، في حين لم تتخطَّ الصادرات حاجز 181.1 مليون دولار رغم تسجيلها ارتفاعاً بنسبة واحد وثلاثين بالمئة.
وفق متابعة "الاقتصادي" لا تتوقف المعضلة عند حجم العجز فحسب، إنما تمتد لتشمل غياب التنوع في الشركاء التجاريين والارتهان شبه المطلق للسوق الإسرائيلية.
وتشير الأرقام بوضوح إلى هذا الخلل، إذ شكلت إسرائيل وجهة لثلاثة وتسعين بالمئة من إجمالي الصادرات الفلسطينية، في وقت تراجعت فيه الصادرات لباقي دول العالم بنسبة تسعة عشر بالمئة.
وينسحب الأمر ذاته على الواردات، حيث استحوذت إسرائيل على نحو أربعة وستين بالمئة من وارداتنا مسجلة ارتفاعاً بنسبة أربعة وثلاثين بالمئة. هذه المؤشرات تكرس الهيمنة الإسرائيلية على هيكل التجارة الخارجية الفلسطينية، وتجعل الاقتصاد المحلي مكشوفاً أمام أي هزات سياسية أو أمنية.
هذه الفجوة الهائلة والتبعية المطلقة تمس محفظة كل مواطن بشكل يومي. فبما أننا نعتمد على استيراد احتياجاتنا الأساسية، فإننا نصبح أسرى لأي هزة في الأسواق العالمية ونستورد التضخم بشكل مباشر، حيث إن أي ارتفاع في أجور الشحن أو أسعار الطاقة ينعكس فوراً كزيادة في الأسعار على الرفوف في فلسطين.
أضف إلى ذلك وقوع التاجر والمستهلك في فخ العملات الأجنبية، إذ تُستورد البضائع بالدولار أو اليورو بينما تُدفع الرواتب بالشيكل، ما يجعل الأسواق تحت رحمة تقلبات أسعار الصرف بشكل دائم. وفي المحصلة، فإن كل دولار يُنفق على سلعة مستوردة لها بديل محلي، هو في الواقع راتب يُدفع لعامل في مصنع أجنبي، ما يعني أننا نستورد البطالة ونصادر فرص العمل من شبابنا.
أمام هذا الخلل البنيوي، يبرز دعم المنتج المحلي وتطوير الصناعة الوطنية كخطوة استراتيجية حتمية وطوق نجاة اقتصادي. فاتجاه المصانع الفلسطينية لتلبية جزء أكبر من احتياجات السوق، وتغير ثقافة المستهلك نحو إعطاء الأولوية للسلعة المحلية، سيؤديان إلى استقرار نسبي في الأسعار ودوران للمال داخل شرايين الاقتصاد المحلي.
طالما أننا نستهلك ما لا ننتج، ستبقى جيوبنا مشرعة أمام تقلبات العالم الخارجي، وتقليص هذه الفجوة يبدأ بخطة حقيقية لتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية وبقرار واع من المستهلك.
المصدر/ موقع الاقتصادي

