اليوم الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦م

ما بين قوة الشيكل الظاهرة و جبل الجليد المدفون.. هل تظهر أرقام اليوم الحقيقة أم تزيد من حالة الغموض ؟

أمس, ٩:٣٥:٣٢ ص
أرشيفية
الاقتصادية

بقلم/ أيمن جمعة

 

رغم استمرار قوة الشيكل الإسرائيلي في الأسواق، فإن البيانات الاقتصادية الأخيرة ترسم صورة أكثر تعقيداً وأقل تفاؤلاً مما يوحي به سعر الصرف. وهذا التناقض يثير تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت قوة الشيكل تعكس بالفعل قوة الاقتصاد الحقيقي، أم أنها نتيجة عوامل مالية ومضاربات وتدفقات رأسمالية مؤقتة.

 

مؤشرات الاقتصاد الحقيقي: تباطؤ واضح

 

أظهرت بيانات الربع الأول من عام 2026 انكماش الناتج المحلي الإسرائيلي بنسبة سنوية بلغت 3.3%، وهو رقم سلبي يعكس تأثر الاقتصاد بالحرب والتوترات الأمنية المستمرة.

 

كما سجلت عدة مؤشرات أساسية تراجعاً ملحوظاً:

 

انخفاض الاستهلاك الخاص بنسبة 4.7%.

 

تراجع الصادرات بنسبة 3.7%.

 

انخفاض الإنفاق الحكومي بنسبة 4.8%.

 

 

هذه الأرقام تعني عملياً أن النشاط الاقتصادي الداخلي يتباطأ، وأن الطلب والاستهلاك والاستثمار الإنتاجي يواجهون ضغوطاً حقيقية.

 

ورغم ذلك، بقي التضخم السنوي عند حدود 1.9% فقط، ضمن النطاق المستهدف لبنك إسرائيل، وهو ما ساعد نسبياً في الحفاظ على استقرار الأسواق المالية.

 

لماذا يبقى الشيكل قوياً؟

 

وفق النظريات الاقتصادية التقليدية، يفترض أن تؤدي مؤشرات التباطؤ والانكماش إلى ضعف العملة الوطنية، أو على الأقل إلى تراجع قدرتها على الارتفاع. لكن ما يحدث مع الشيكل يبدو مختلفاً نسبياً.

 

وهنا تظهر مجموعة من العوامل التي قد تفسر هذا التناقض:

 

1. تدفقات قطاع التكنولوجيا

 

ما زال قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي يجذب استثمارات وتدفقات مالية كبيرة بالدولار، ويتم تحويل جزء من هذه الأموال إلى الشيكل، ما يعزز الطلب عليه.

 

2. المضاربات والأسواق المالية

 

سوق الشيكل يُعد صغيراً نسبياً مقارنة بالعملات العالمية الكبرى، ما يجعله أكثر حساسية لتحركات صناديق الاستثمار والمؤسسات المالية والمضاربين.

 

ولذلك يرى بعض المحللين أن جزءاً من قوة الشيكل الحالية لا يعكس الاقتصاد الحقيقي بقدر ما يعكس حركة رؤوس الأموال قصيرة ومتوسطة الأجل.

 

3. الدعم والثقة الخارجية

 

رغم الظروف الأمنية، ما تزال الأسواق تنظر إلى إسرائيل باعتبارها اقتصاداً مدعوماً سياسياً ومالياً من الغرب، ما يساهم في الحفاظ على ثقة المستثمرين.

 

4. تأثير ضعف الدولار عالمياً

 

في بعض الفترات، تبدو قوة الشيكل أكبر بسبب ضعف الدولار نفسه، وليس فقط بسبب قوة الاقتصاد الإسرائيلي.

 

معضلة بنك إسرائيل

 

هذا التناقض يضع بنك إسرائيل أمام معادلة صعبة.

 

فمن جهة:

 

الاقتصاد يتباطأ،

 

والاستهلاك يتراجع،

 

والضغوط المالية للحرب تتزايد.

 

 

ومن جهة أخرى:

 

الشيكل قوي،

 

والتضخم تحت السيطرة نسبياً،

 

والأسواق المالية مستقرة.

 

 

وهذا يخلق حيرة حقيقية في السياسة النقدية.

 

إذا قام البنك المركزي بخفض الفائدة لدعم الاقتصاد، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الشيكل وارتفاع التضخم.

 

أما إذا حافظ على فائدة مرتفعة لحماية العملة والأسواق، فقد يزيد الضغط على الاقتصاد الحقيقي ويعمّق التباطؤ.

 

هل تعكس قوة الشيكل الواقع الفعلي؟

 

الجواب الأقرب للدقة هو: ليس بالكامل.

 

فالبيانات الاقتصادية الحالية لا تبدو كافية وحدها لتبرير هذه القوة الكبيرة في سعر صرف الشيكل، خصوصاً في ظل:

 

الحرب،

 

تباطؤ النمو،

 

تراجع الاستهلاك،

 

وضعف بعض المؤشرات الإنتاجية.

 

 

لذلك يمكن القول إن قوة الشيكل الحالية تبدو أقرب إلى:

 

قوة مالية وسوقية،

 

أكثر من كونها انعكاساً مباشراً لقوة الاقتصاد الحقيقي.

 

 

وهذا لا يعني بالضرورة وجود “تلاعب” مباشر، لكنه يعني أن سعر العملة قد يكون مدفوعاً بعوامل مالية ومضاربات وتوقعات استثمارية أكثر من اعتماده على الأساسيات الاقتصادية التقليدية.

 

وفي مثل هذه الحالات، تبقى العملات عرضة لتقلبات حادة إذا تغيرت الظروف الجيوسياسية أو تبدلت ثقة الأسواق بصورة مفاجئة.