غزة/ الاقتصادية
تعود أزمة "الفكة" في قطاع غزة الفلسطيني إلى الأشهر الأولى من الحرب، حين تراجعت بحدّة كميات النقد المتداول، نتيجة تعطل عمل البنوك التجارية وصعوبة إدخال السيولة إلى القطاع، إضافة إلى لجوء المواطنين والتجار إلى تخزين العملات المعدنية الصغيرة. ومع تفاقم الأزمة، باتت الأسواق تعاني نقصاً كبيراً في العملات ذات الفئات الصغيرة اللازمة للشراء اليومي، ما دفع بعض التجار وأصحاب المبادرات إلى ابتكار وسائل دفع بديلة لتسهيل عمليات البيع والشراء.
يقول المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد، إن أزمة الفكة في غزة تحولت إلى تحدٍّ يومي يمس أبسط احتياجات المواطنين، بدءاً من شراء الخبز والاحتياجات الأساسية، وصولاً إلى دفع أجرة المواصلات، ما جعل الأزمة تتجاوز بعدها النقدي لتصبح جزءاً من المعاناة اليومية التي يعيشها السكان في القطاع. ويوضح لبد لـ"العربي الجديد" أن هذا الواقع دفع كثيراً من المواطنين وأصحاب المشاريع الصغيرة إلى ابتكار حلول بديلة، سواء عبر مبادرات فردية أو بطاقات ورقية أو تطبيقات إلكترونية أو حتى عملات نحاسية، معتبراً أن هذه المحاولات تعكس قدرة المجتمع الغزّي على التكيف والإبداع في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة والحصار المستمر.
لكنه شدد، في المقابل، على أن انتشار هذه الحلول يفتح الباب أمام تساؤلات اقتصادية وقانونية مهمة، أبرزها غياب البنوك والمؤسسات المصرفية عن تقديم حلول منظمة وآمنة رغم ما تمتلكه من خبرة وثقة مالية، متسائلاً عن أسباب ترك المواطنين يلجؤون إلى وسائل بديلة غير مضمونة خارج الإطار المصرفي الرسمي. ويشدد لبد على أن توسع استخدام التطبيقات والبطاقات البديلة من دون وجود جهة ضامنة أو رقابة رسمية يحمل مخاطر كبيرة على المواطنين والأسواق، مؤكداً أن أي أدوات نقدية يجب أن تخضع لإشراف قانوني ومصرفي واضح يضمن حقوق المستخدمين ويحافظ على استقرار السوق المحلي.
ويتفق المختص في الشأن الاقتصادي عمر صلوحة مع ما طرحه لبد، معتبراً أن المشكلة الأبرز في هذه المبادرات تتمثل في غياب الغطاء الرسمي والجهة الضامنة لها، متسائلاً عن مصير أموال المواطنين التي تُدفع مقابل البطاقات أو العملات البديلة، ومن يتحمل المسؤولية في حال حدوث خلل تقني أو عمليات احتيال أو حتى اختفاء الجهة المصدرة.
ويوضح لـ"العربي الجديد" أن المسألة ليست هامشية، خاصة أن حجم الأموال المتداولة في بعض هذه المبادرات أصبح كبيراً نسبياً، في وقت تفتقر فيه الأسواق إلى أي رقابة قانونية أو تنظيمية، ما يجعل المواطنين عرضة لخسائر حقيقية في بيئة اقتصادية هشة بطبيعتها. كذلك، يطالب صلوحة الجهات الرسمية، وخصوصاً وزارة الاقتصاد والبنوك والمؤسسات المصرفية، بالتعامل مع أزمة الفكة بجدية أكبر، والعمل على إيجاد حلول رسمية وآمنة تضمن حقوق المواطنين، بدل ترك المجال مفتوحاً أمام مبادرات فردية أو تجارية تعمل خارج أي إطار قانوني أو رقابي واضح.
وبذلك، تكشف أزمة الفكة في غزة أن المبادرات المنتشرة، رغم اتساع استخدامها، ما تزال تفتقر إلى الأسس القانونية والاقتصادية التي تضمن نجاحها واستمرارها، فغياب الرقابة والجهات الضامنة حوّل هذه الحلول إلى أدوات محفوفة بالمخاطر قد تُفقد المواطنين أموالهم، وتزيد حالة الفوضى النقدية بدل أن تقدم حلاً حقيقياً ومستقراً للأزمة.

