تستعد جمهورية مصر العربية لتدشين مرحلة جديدة في قطاع التعدين عبر توسيع عمليات البحث والاستكشاف عن معدن "الليثيوم" والفلزات الاستراتيجية الحيوية، في خطوة تستهدف جذب الاستثمارات الدولية لصناعة ظلت شبه متפקدة لسنوات طويلة. وتقدم القاهرة حزمة من الإصلاحات التنظيمية والخرائط المتقدمة، مستغلة الطلب العالمي المتزايد على المواد الخام لتنشيط اقتصادها.
وفي إطار هذه الخطة، أبرمت الحكومة المصرية اتفاقية رسمية مع شركة "إكس-كاليبر" (X-Calibur) الإسبانية لإجراء مسوحات جوية متطورة لاستكشاف الثروات الكامنة. وستعتمد الاتفاقية على طائرات متخصصة مجهزة بتقنيات جيوفيزيائية حديثة لرسم خرائط دقيقة لما تحت السطح، وتحديد المناطق ذات الإمكانات التعدينية العالية وخفض مخاطر الاستكشاف للمستثمرين.
وأكد وزير البترول والثروة المعدنية المصري، كريم بدوي، أن هذا المشروع يمثل أول مسح جوي تعديني شامل تشهده البلاد منذ أكثر من أربعة عقود. ومن المقرر أن تغطي العمليات ست مناطق جغرافية رئيسية ذات ثقل جيولوجي، تشمل الصحراء الشرقية، الصحراء الغربية، شبه جزيرة سيناء، واحة البحرية، ومنطقة أبو טרטור بمحافظة الوادي الجديد.
وعلى الرغم من التنوع البيئي والجيولوجي الغني الذي تتمتع به مصر، إلا أن قطاع التعدين لا يساهم حالياً سوى بنحو 1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة تقادم قواعد البيانات الجزئية الموروثة من ثمانينيات القرن الماضي. وتطمح الحكومة من خلال تحديث البنية التحتية للمعلومات إلى رفع مساهمة هذا القطاع الحيوي لتصل إلى 6%.
وتأتي هذه التحركات المصرية متزامنة مع قفزة في الطلب العالمي على المعادن النادرة، في ظل اضطرابات سلاسل التوريد وتصاعد التوترات الجيوسياسية الإقليمية وحصار مضيق هرمز. ودفعت هذه الأزمات المتلاحقة القوى الاقتصادية نحو البحث عن مصادر إمداد بديلة ومستقرة للمواد الأساسية التي تشكل عصب الصناعات التكنولوجية الحديثة.
وإلى جانب تاريخها العريق في تعدين الذهب والنحاس منذ العهد الفرعوني، تركز مصر اليوم بصرها نحو عناصر "العصر الأخضر" مثل الليثيوم، النيكل، الكובالت، والجرافيت. وتعد هذه المواد حجر الزاوية في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، وأنظمة الطاقة المتجددة، والإلكترونيات المتقدمة، مما يمنح الدول المنتجة لها نفوذاً اقتصادياً كبيراً.
وفي سياق متصل، بحث الوزير بدوي مع شركة تكنولوجيا الطاقة (SLP) سبل تقييم احتياطيات الليثيوم وإطلاق مشروعات تجريبية بالصحراء الشرقية، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في الرؤية المصرية. وتتكامل هذه المباحثات مع إصلاحات تشريعية لتسهيل شروط التراخيص وآليات توزيع العائدات بما يضمن بيئة جاذبة ومبسطة للشركات الأجنبية.
وتتطلع القاهرة لعرض هذه الفرص الاستثمارية خلال "منتدى مصر الدولي للتعدين" المقرر عقده بالعاصمة الإدارية الجديدة في سبتمبر المقبل. وسيركز المنتدى على تعظيم الاستفادة من "الدرع العربي-النوبي" الممتد بين شمال شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، والذي يصنفه الخبراء كأحد أغنى التكوينات الجيولوجية غير المستغلة عالمياً.

