اليوم الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦م

تحقيق يكشف كواليس التفاف المؤسسات الحكومية الفلسطينية على قرارات القضاء

اليوم, ١٠:٥٢:٣٦ ص
القضاء
الاقتصادية

وكالات_الاقتصادية:

كشفت "صحيفة الحدث" في تحقيق استقصائي موسع عن عشرات قضايا الالتفاف والتحايل الإداري الموثقة، والتي تلجأ فيها جهات حكومية إلى أساليب ملتوية لتأجيل أو تعطيل الأحكام الصادرة ضدها. يمثل هذا السلوك المستحدث تعدياً صارخاً على هيبة المنظومة القضائية ومبدأ سيادة القانون، ويتخذ أشكالاً متعددة تشمل التنفيذ الجزئي أو المشوه الذي يفرغ الأحكام من مضمونها الإنساني والقانوني.

أساليب ملتوية تبدأ بالمماطلة البيروقراطية وتنتهي بالامتناع المطلق عن التنفيذ

تتنوع طرق الالتفاف بين التراخي بحجة "الدراسة القانونية" لإفقاد القضية قيمتها الزمنية للمتضرر، وإساءة استخدام "الإشكالات القانونية" لعرقلة التنفيذ بادعاء وجود استحالة مادية. كما تعمد بعض الجهات إلى "التصحيح التشريعي" عبر استصدار قرارات جديدة تحيي القرارات الملغاة، وصولاً إلى الخطوة الأشد خطورة المتمثلة في الامتناع المطلق والرفض العمدي للتنفيذ.

المعلم يوسف اجحا يكسر حاجز الصمت ويواجه "التغول الإداري" بجرأة

بينما يرفض موظفون عموميون كثر الحديث خوفاً من تشديد العقوبات الإدارية بحقهم، كسر المعلم يوسف اجحا حاجز الصمت ليعلن تفاصيل معركته القضائية المستمرة لانتزاع حقه المالي والوظيفي. وأوضح اجحا أنه حصل على ثلاثة أحكام قطعية أبطلت قرار فصله التعسفي من وزارة التربية والتعليم، إلا أن عودته للعمل تحولت إلى ملاحقة كيدية كشفت عورة التنفيذ الشكلي.

عقوبات انضباطية كيدية وحجز كامل للرواتب بهدف كسر الإرادة النقابية

فور عودته لمزاولة مهنته، فوجئ اجحا بتشكيل لجنة تحقيق انضباطية وحجز راتبه بالكامل لثلاثة أشهر متتالية، تلاها تسجيل مديونية غير قانونية بحقه تتجاوز 106,000 شيقل. ترافق ذلك مع إيقاف تأمينه الصحي وتجميد مستحقاته السابقة البالغة 40 ألف شيقل، في محاولة صريحة لابتزازه بهدف التوقيع على تعهدات تمنعه من ممارسة أي نشاط نقابي مستقبلي.

دعوة للاعتصام الأسبوعي في بيت لحم لحماية الأحكام القضائية

أطلق المعلم اجحا نداءً حاراً للمؤسسات الحقوقية والوطنية للتدخل الفوري وتصويب وضعه المالي والمهني، مؤكداً أن حجز قوته وقوت أسرته لن يثنيه عن التمسك بأحكام صدرت "باسم الشعب". ودعا المواطنين والنقابيين لمشاركته في اعتصام أسبوعي كل يوم اثنين بساحة باب الدير في بيت لحم، تأكيداً على أن حقوق الموظفين وهيبة القضاء الفلسطيني ليستا محل مساومة.

مساومات سياسية وتهديدات مبطنة بدلاً من إنصاف المتضرر مالياً

أشار اجحا بأسف إلى غياب أي تواصل إيجابي من الوزارة رغم تقديمه شكاوى للنائب العام ومجلس الوزراء والتقائه بالوزير أربع مرات، حيث استبدل الحل بالمساومة على اعتذار علني وتعهد مكتوب. وعن المديونية المفبركة، أوضح أن الوزارة احتسبت رواتب فترة فصله البالغة 25 شهراً كمديونية عليه لأنه رفض الرضوخ لشروطهم، ليجد نفسه يعمل حالياً بلا مقابل مالي.

هيئة "استقلال" توثق 143 قراراً معطلاً وتدق ناقوس الخطر

على الصعيد المؤسسي، وثقت الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون (استقلال) 143 قراراً قضائياً معطلاً صدرت عن محاكم إدارية ونظامية ولم تجد طريقها للتنفيذ السليم خلال عام واحد. وأكدت الهيئة أن قضايا الإفراج عن الموقوفين كانت الأشد خطورة، حيث سجلت 86 حالة عدم التزام بأوامر الإفراج، في حين لم تحل سوى 36 حالة فقط.

المدير التنفيذي لـ "استقلال": تجاهل أحكام القضاء يهدد السلم الأهلي

صرح ماجد العاروري، المدير التنفيذي لهيئة "استقلال"، بأن العام الماضي شهد زيادة مقلقة في تجاهل الجهات الرسمية لقرارات المحاكم، ما يقوض الثقة الشعبية في جهاز العدالة الفلسطيني. وأوضح العاروري أن هذا السلوك يفتح الباب أمام تعقيدات مالية خطيرة تكبد خزينة الدولة مئات آلاف الشواقل، مشدداً على ضرورة إبعاد التنفيذ عن الانتقائية والاجتهادات الشخصية.

تحركات قانونية ومؤتمر مرتقب في حزيران لتعزيز المساءلة الإدارية

أضاف العاروري أن الهيئة تنسق مع مؤسسة "محامون من أجل العدالة" لتطوير مسارات تقاضٍ استراتيجية تشمل رفع قضايا تعويض ضد الجهات الممتنعة ترسيخاً للمساءلة القانونية العامة. وأعلن عن عقد مؤتمر متخصص في شهر حزيران القادم لمناقشة أزمة التنفيذ ودور القضاء الإداري، إلى جانب تنظيم أنشطة حقوقية وإعلامية مكثفة لحماية ركائز النظام الديمقراطي وفصل السلطات.

مؤسسة "الحق" تتابع قضايا الموظفين وتندد باستمرار الاحتجاز التعسفي

من جانبه، أكد المحامي أشرف أبو حية، المستشار القانوني لمؤسسة (الحق)، متابعة المؤسسة لقضية المعلم اجحا وقضية موظف آخر فصل عقب تبليغه عن شبهات فساد لهيئة مكافحة الفساد. ورغم نفي أبو حية تحول ملاحقة الموظفين إلى ظاهرة عامة، إلا أنه دق ناقوس الخطر بشأن احتجاز أكثر من 100 مواطن في سجون الأجهزة الأمنية دون أي سند قانوني.

قضية مصعب اشتية تلخص واقع تغول الأجهزة الأمنية على القضاء

استشهد المستشار القانوني بقضية المواطن مصعب اشتية المحتجز لدى جهاز الأمن الوقائي بمدينة نابلس منذ ما قبل الحملة الأمنية الأخيرة في جنين وطولكرم، دون أي غطاء نظامي. ورغم صدور قرارين قضائيين بإخلاء سبيله، أحدهما من محكمة التوقيف والآخر من المحكمة الإدارية باعتباره محتجزاً تعسفياً، إلا أن الأجهزة الأمنية ترفض الانصياع للقرارات الرسمية حتى الآن.

"التنفيذ الانتقامي" أداة عقابية جديدة تشرعنها السلطة التنفيذية

أوضح أبو حية أن الالتفاف يتخذ أحياناً طابعاً انتقامياً؛ فحين تجبر الإدارة على إعادة موظف، تعمد إلى نقله تعسفياً لأماكن بعيدة جداً عن سكنه كعقوبة مبطنة. كما تمس الإجراءات الحقوق المالية عبر تفسيرات مجحفة تمنع صرف الرواتب المحجوزة، مما جعل مسألة التعبير العلني عن رفض تطبيق أحكام القضاء واضحة ولا لبس فيها من قبل السلطة التنفيذية.

القانون الأساسي يجرم الامتناع عن التنفيذ ويعاقب بالعزل والحبس

شدد أبو حية على أن الامتناع عن تنفيذ القرار القضائي يشكل جريمة جنائية تستوجب محاكمة الموظف المسؤول وعزله مباشرة من وظيفته العامة بموجب أحكام التشريعات الفلسطينية النافذة. وأعرب عن أسفه لعدم تقديم أي مسؤول أمني أو مدني للمحاكمة حتى الآن، مما يرسل رسالة سلبية تضرب استقلال السلطة القضائية وتدفع المواطنين لأخذ القانون باليد.

مركز "مساواة" يتلقى شكاوى مكثفة ويوجه مذكرات قانونية حازمة

بدوره، أشار المحامي إبراهيم البرغوثي، المدير التنفيذي لمركز (مساواة)، إلى تلقي المركز أعداداً كبيرة من الشكاوى المتعلقة بالانتهاكات الإدارية والأمنية الناتجة عن التعبير عن الرأي والأنشطة النقابية. وأوضح أن المركز يوجه مذكرات قانونية للجهات المخالفة، وينصح المتضررين بالتوجه للنيابة العامة والمحاكم المختصة للمطالبة بالتعويض وإلغاء القرارات السلبية والالتفافية فوراً.

الأزمات المالية والذرائع الأمنية حجج واهية لتبرير المخالفات الدستورية

وصف البرغوثي تحجج المؤسسات الرسمية بالأزمة المالية لعدم دفع المستحقات بـ "الحجة الواهية" التي لا تستقيم أبداً مع القوة الإلزامية المطلقة للأحكام القضائية القطعية. ودعا إلى ضرورة توفر إرادة سياسية عامة تضغط على قادة الأجهزة الأمنية والوزراء لوقف احتجاز المواطنين خارج القانون، وإعادة الموظفين المنقولين أو المفصولين تعسفياً لدرجاتهم وأماكن عملهم الأصلية.

مركز القدس يوثق تراجع ثقة المواطنين في جدوى التقاضي الرسمي

في سياق متصل، وثق مركز القدس للمساعدة القانونية 58 قضية خلال العامين الماضيين، مسجلاً انخفاضاً عدادياً يعكس تراجع ثقة المواطنين في المنظومة القضائية وقدرتها التنفيذية. وأوضح المحامي عثمان حمد الله أن الإدارة العامة تمتلك أدوات بيروقراطية تمكنها من التلكؤ، كإعادة خصم الرواتب المستردة، مما يجبر المواطن على الدخول في دوامة طعون قضائية جديدة لا تنتهي.

قطاعا التعليم والصحة الأكثر استهدافاً بسبب الحراك النقابي

أفاد حمد الله بأن قضايا الفصل والتقاعد القسري تتركز بوضوح في قطاعي التربية والتعليم والصحة على خلفية قيادة الإضرابات المطلبية ومناهضة القرارات الإدارية الجائرة. وأشار إلى أن قضايا المنع من السفر تشهد التفافاً كبيراً؛ حيث تعمد جهات أمنية إلى إصدار قرارات منع جديدة فور صدور حكم المحكمة الإدارية بإلغاء المنع السابق.

الهيئة المستقلة تتابع قضايا عالقة في الشرطة وشؤون الأسرى

من ناحيته، أعلن المحامي سامي جبارين، مدير دائرة التحقيقات في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، عن متابعة الهيئة لشكاوى نوعية تتعلق بعدم التزام الأجهزة والوزارات بقرارات المحاكم المعاصرة. وتتابع الهيئة حالياً قضية شرطي ألغت المحكمة قرار فصله الانضباطي ولم يعد لعمله، وقضية موظف في هيئة شؤون الأسرى أنصفته المحكمة الدستورية العليا ولم ينفذ ديوان الموظفين القرار.

ثغرات قانونية وتهم معلبة لتمديد توقيف المواطنين تعسفياً

أجمعت الهيئات الحقوقية على أن 95% من الموقوفين أمنياً يواجهون تهمة "حيازة سلاح" دون وجود محضر ضبط رسمي موثق، مما يثبت الطابع الكيدي للاحتجاز. وتتحايل الأجهزة على أوامر الإفراج عبر توجيه تهم جديدة فورية مثل "إثارة النعرات"، أو الإبقاء على المواطن محتجزاً بحجة أنه مطلوب لجهاز أمني آخر في ذات السجن.

المعلمة جهاد أبو شرار.. فصل وإحالة قسرية للمعاش رداً على القضاء

لم تكن قضية المعلمة جهاد أبو شرار من دورا بالخليل أقل مأساوية؛ إذ واجهت قراراً بالإحالة القسرية للمعاش نتيجة نشاطها النقابي في إضراب المعلمين والمطالبة بالعلاوات. ورغم صدور حكم المحكمة الإدارية بإلغاء النقل التعسفي والعودة لعملها، تفاجأت بصدور كتاب جديد من الوزير يجدد عقوبة الإحالة للمعاش، وسط ملاحقتها قضائياً بتهمة "ذم السلطة".

المتحدث باسم وزارة التربية: ملتزمون بالأحكام و"النقل" يعتبر عودة للعمل

في المقابل، أكد صادق الخضور، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم، التزام الوزارة التاريخي بتنفيذ قرارات المحاكم الفلسطينية، واصفاً الحالات المثارة بالإشكالات الفردية الجاري متابعتها قانونياً. واعتبر الخضور أن نقل المعلمين إلى مدارس أخرى بعيدة يعد في مفهوم الوزارة تنفيذاً لقرار الإرجاع للعمل، مبيناً أن الوزارة تتريث في التعقيب على بعض التفاصيل لكونها قضايا لا تزال منظورة أمام القضاء الفلسطيني.

خبير دستوري: العلاقة المتأزمة بين السلطتين التنفيذية والقضائية أصل الكارثة

اختتم التحقيق بقرارات الخبير الدستوري د. حسن سليم، الأمين العام السابق للمحاكم الإدارية، الذي أرجع الأزمة إلى خلل بنيوي في علاقة السلطة التنفيذية بالمنظومة القضائية. ووصف سليم التحايل على الأحكام بالكارثة الوطنية التي تفرغ النصوص الدستورية المجرّمة للامتناع من محتواها، محذراً من أن استمرار هذا التغول الإداري سينتهي بانهيار مفهوم الدولة وغياب العدالة بالكامل.