تقترب فاتورة الأجور الحكومية الفلسطينية من تسجيل واحدة من أعلى النسب عالمياً مقارنة بحجم الاقتصاد، مما يعكس اختلالاً هيكلياً عميقاً داخل منظومة تعتمد بشكل مفرط ومتزايد على الإنفاق العام والرواتب كمحرك أساسي وحيد للنشاط التجاري.
وتشير البيانات المالية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لفلسطين يبلغ قرابة 13 مليار دولار، في حين تصل فاتورة الأجور الاسمية للموظفين والمتقاعدين إلى نحو 4.1 مليار دولار سنوياً، وهو ما يعادل 24% من إجمالي الناتج المحلي للدولة.
وتضع هذه الأرقام الاستثنائية فلسطين في مستوى مغاير للمعايير العالمية؛ إذ تتراوح فاتورة الأجور في الاقتصادات المتقدمة والنامية بين 6% و12%، ولا تتجاوز 15% في الدول ذات القطاع العام الضخم تاريخياً مثل فرنسا ودول شمال أوروبا.
وتعيش السلطة الفلسطينية أزمة سيولة ممتدة منذ أواخر عام 2021 نتيجة الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة التي تمثل ثلثي الإيرادات، قبل أن تدخل الأزمة مرحلة أشد خطورة بعد حجب إسرائيل لكامل هذه الأموال منذ مايو 2025.
وتتضاعف أزمة "اقتصاد الرواتب" مع غياب القاعدة الإنتاجية وتراجع عمالة الداخل بنسبة تجاوزت 70% منذ أواخر 2023، والتي كانت تدر 4.8 مليار دولار سنوياً، مما يمنع الحكومة من توجيه الإيرادات الشحيحة نحو الاستثمارات والمشاريع التنموية.
ورغم تحذيرات البنك الدولي وصندوق النقد من عدم استدامة هذا الوضع دون إصلاحات واسعة، إلا أن أي محاولة لتقليص التوظيف تصطدم بحساسية سياسية واجتماعية معقدة، لكون القطاع العام يمثل عملياً العمود الفقري للطبقة الوسطى الفلسطينية.

