غزة / الاقتصادية
في قطاع غزة، لا تقتصر آثار انخفاض سعر الدولار مقابل الشيكل على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية والمعيشية لآلاف الأسر التي تعتمد على الرواتب والمساعدات والحوالات المالية الخارجية.
ومع استمرار الأوضاع الصعبة والحرب وتراجع مصادر الدخل، باتت العديد من العائلات تواجه تحديات متزايدة في تلبية احتياجاتها الأساسية، مما دفعها إلى تقليص نفقاتها وإعادة ترتيب أولوياتها اليومية.
أولويات جديدة
قال المواطن وائل الحصري إن أسرته كانت تعتمد بشكل كبير على الدخل الذي تحصل عليه زوجته وابنته من عملهما في بعض المؤسسات الدولية، حيث تتقاضيان رواتبهما بالدولار، وكان هذا الدخل يساعد الأسرة على توفير احتياجاتها الأساسية والعيش بمستوى مقبول في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة، إلا أن الانخفاض المستمر في سعر صرف الدولار مقابل الشيكل أدى إلى تراجع القيمة الفعلية لهذه الرواتب، وأثر بشكل مباشر على الوضع المعيشي للأسرة.
وأوضح الحصري أن المبلغ الذي كانت الأسرة تحصل عليه عند تحويل الرواتب إلى الشيكل أصبح أقل من السابق بشكل ملحوظ، وهو ما تسبب في عجز متزايد عن تغطية جميع الاحتياجات كما كان يحدث في الماضي.
وأضاف أن الأسرة اضطرت إلى تغيير نمط حياتها وتقليص مصروفاتها إلى الحد الأدنى، والتركيز فقط على شراء المواد الغذائية الأساسية والأدوية والاحتياجات الضرورية.
وأشار إلى أنه أصبح يتجنب شراء الكثير من المستلزمات التي كانت تعد عادية في السابق، كما جرى تأجيل شراء الملابس والأدوات المنزلية وأي نفقات يمكن الاستغناء عنها. وأضاف أن الأسرة باتت تقارن الأسعار بشكل مستمر وتبحث عن البدائل الأقل تكلفة، من أجل التكيف مع انخفاض الدخل الفعلي.
وأكد الحصري أن هذا الوضع خلق حالة من القلق داخل الأسرة بشأن المستقبل والقدرة على الاستمرار في تلبية احتياجاتها الأساسية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الأوضاع الاقتصادية في غزة.
وقال إن انخفاض الدولار لم يكن مجرد تغيير في أسعار العملات، بل تحول إلى عبء يومي أثر على مستوى المعيشة والاستقرار الأسري، وأجبر الأسرة على إعادة ترتيب أولوياتها والتخلي عن كثير من الأمور التي كانت جزءا من حياتها المعتادة.
علاج مهدد
أما سمية سلمان فقالت إن ابنها عمران يعاني من إصابة ناجمة عن الحرب، ويحتاج إلى جلسات علاج طبيعي بشكل مستمر للحفاظ على حالته الصحية وتحسين قدرته على الحركة.
وأوضحت أن تكلفة العلاج تشكل عبئا كبيرا على الأسرة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة.
وأضافت أن سيدة من خارج القطاع تكفلت بتغطية نفقات علاج عمران، وترسل المبالغ المالية بالدولار بشكل دوري لمساعدته على الاستمرار في تلقي العلاج.
وأشارت سلمان إلى أن انخفاض سعر صرف الدولار مقابل الشيكل أثر بشكل مباشر على قيمة المبلغ الذي تتلقاه الأسرة، حيث أصبحت الحوالة توفر مبلغا أقل عند استلامها مقارنة بالفترات السابقة.
وبينت أن هذا الانخفاض قلص قدرة الأسرة على تغطية جميع احتياجات العلاج الطبيعي والمواصلات والأدوية المرتبطة بحالة ابنها.
وأكدت أن استمرار تراجع الدولار يثير مخاوفها من عدم القدرة على توفير عدد الجلسات العلاجية التي يحتاجها عمران بشكل منتظم، خاصة أن العلاج الطبيعي ضرورة أساسية لحالته وليس أمرا يمكن تأجيله. وأضافت أن أي نقص في المساعدة قد ينعكس سلبا على تقدمه الصحي، ويزيد من معاناة الأسرة التي تبذل كل ما تستطيع من أجل توفير الرعاية اللازمة له.
تقلبات الصرف
وأكد المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن انخفاض سعر صرف الدولار أمام الشيكل يترك آثارا مباشرة على شريحة واسعة من الفلسطينيين، خاصة في ظل اعتماد السوق المحلية على التعامل بثلاث عملات رئيسية، هي الدولار والشيكل والدينار الأردني.
وأوضح أن تراجع الدولار يؤدي إلى تآكل قيمة المدخرات المحتفظ بها بهذه العملة، كما يؤثر على العاملين الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار، ومن بينهم موظفو المؤسسات الدولية، الأمر الذي ينعكس على قدرتهم الشرائية في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار الذي تشهده غزة.
وأشار أبو قمر إلى أن الحديث عن تغير أولويات الإنفاق، كما حدث في المراحل الأولى من الحرب والتجويع، يختلف عن تأثير انخفاض الدولار، موضحا أن الأثر الحالي يتمثل بصورة أكبر في تقليص حجم المشتريات وعدم قدرة بعض الأسر على تلبية جميع احتياجاتها ومتطلباتها الأساسية.
وبيّن أن درجة التأثر بانخفاض الدولار تختلف من فئة إلى أخرى، فالأسر التي تعتمد على تحويلات أبنائها من الخارج، أو الأشخاص الذين يمتلكون مدخرات كبيرة بالدولار في البنوك، هم الأكثر عرضة للخسائر الناتجة عن تراجع قيمته.
وفي المقابل، فإن الأسر التي تتقاضى دخولها بالشيكل، بينما تلتزم بدفعات أو نفقات مقومة بالدولار، قد تستفيد من هذا الانخفاض.
وأضاف أن تراجع الدولار لا يعد سببا مباشرا في انتشار الفقر، لكنه يؤدي إلى انخفاض الدخل الحقيقي لبعض الأسر، ما يزيد الضغوط الاقتصادية عليها. ونصح المواطنين، كلما أمكن، بتنويع مدخراتهم وعدم الاعتماد على عملة واحدة، مستشهدا بالقاعدة الاقتصادية التي تقول «لا تضع البيض كله في سلة واحدة»، وذلك من خلال توزيع المدخرات بين الدولار والشيكل والذهب للحد من المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف، إلا أنه أشار إلى أن بعض الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار لا يملكون خيارات واسعة لتقليل هذه الخسائر.
وتكشف قصص المواطنين في غزة أن انخفاض سعر الدولار مقابل الشيكل لم يعد مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبح واقعا ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر.
وبين تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الاحتياجات الأساسية، تزداد الضغوط على العائلات التي تعتمد على الدخل المقوم بالدولار، ويبقى التخفيف من هذه الآثار ضرورة ملحة للحفاظ على الاستقرار المعيشي والاجتماعي في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها قطاع غزة.

