يواجه بنك فلسطين اختباراً تشغيلياً ومالياً غير مسبوق في ظل تداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة وتدمير البنية التحتية. وتتداخل في هذه المرحلة المعقدة مخاطر أمنية وسياسية واقتصادية بالغة، فرضت على القطاع المصرفي ضغوطاً حادة وشحاً شديداً في السيولة النقدية.
ركيزة الاستقرار المالي الفلسطيني
يمثل البنك، الذي تأسس عام 1960، عصب الاستقرار المالي في فلسطين لعمله تحت الرقابة المباشرة لسلطة النقد. ويرى الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب أن البنك أثبت قدرة استثنائية على الصمود أمام مخاطر تشغيلية وسياسية غير تقليدية بالمرة.
دمار واسع وتحديات البنية التحتية
أكدت تقارير البنك الدولي أن البنية التحتية المالية في قطاع غزة تكبدت أضراراً فادحة شلت 98% من الفروع. ورغم تدمير 33 فرعاً بالكامل وتضرر 19 جزئياً، استمرت الأنظمة الأساسية بالعمل بفضل خطط الطوارئ والنقل المسبق للبيانات.
المرونة والثبات في الإدارة التشغيلية
تتجلى قدرة البنك في الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات عبر تبني استراتيجية "المرونة والثبات" لامتصاص الصدمات الميدانية. وبخلاف السلوك المصرفي التقليدي الذي يميل للانسحاب وقت الأزمات، واصل البنك إدارة وجوده بغزة رغم غياب الأمن والتعطل الاقتصادي.
مؤشرات 2024: نمو الإيرادات وتحدي المخصصات
كشفت البيانات المالية لعام 2024 عن ارتفاع إجمالي الإيرادات بنسبة 8% لتصل إلى 354 مليون دولار أمريكي. ورغم تسجيل خسارة صافية بلغت 27.9 مليون دولار نتيجة مخصصات الحرب الاستثنائية، ارتفعت الودائع إلى 6.99 مليار والأصول إلى 8.36 مليار.
رأسمال الثقة يحمي الميزانية العمومية
يعكس استمرار نمو الودائع في بيئة الحرب نجاح البنك في الحفاظ على "رأسمال الثقة" لدى المودعين والمستثمرين. ويعد هذا العامل غير الملموس حاسماً لمنع تراجع السيولة، وإدارة جودة الأصول، والحفاظ على نسبة كفاية رأس المال عند 15.28%.
قفزة نوعية في مؤشرات الربع الثالث لعام 2025
أظهرت نتائج الربع الثالث من عام 2025 تحولاً إيجابياً لافتاً بتسجيل صافي أرباح بلغ 44.6 مليون دولار. كما قفزت الأصول إلى 10.55 مليار دولار، والودائع إلى 8.78 مليار، مع تسجيل نسبة كفاية رأس مال قوية بلغت 16.14%.
حوكمة رشيدة لإدارة المخاطر المركبة
يعزو المختصون هذه النتائج الإيجابية إلى كفاءة منظومة الحوكمة والتعامل الاستباقي مع المخاطر التشغيلية والائتمانية والتركيز الجغرافي. وساهمت هذه الإدارة المرنة في حصر الصدمة داخل غزة، ومنع انتقالها إلى كامل المركز المالي للبنك في الضفة والخارج.
شراكات دولية وتوسع إقليمي استراتيجي
نجح البنك في تعزيز قاعدته الرأسمالية باستقطاب استثمارات دولية بقيمة 34 مليون دولار من مؤسسة التمويل الدولية والبنك الأوروبي. وتزامنت هذه الخطوات مع توجه استراتيجي للتوسع الإقليمي عبر فتح مكتب في القاهرة ومساعي الترخيص في سوق أبوظبي المالي.
التحوط كجزء من الثقافة المصرفية
يوضح الخبير أبو جياب أن البيئة السياسية والاقتصادية المتقلبة في فلسطين تعد مألوفة لدى المستثمرين والمودعين على حد سواء. وبناءً على ذلك، فإن سلوك التحوط وإدارة الأزمات المستمرة يشكلان جزءاً أساسياً ومحسوباً من استراتيجية عمل البنك التاريخية.
الرقمنة كأداة للنجاة والشمول المالي
شكل التحول الرقمي طوق نجاة للمواطنين مع تضرر الفروع، حيث توسع استخدام المحافظ الإلكترونية بغزة ليتجاوز 530 ألف محفظة. ولعبت شركة "PalPay"، الذراع التكنولوجي للبنك، دوراً محورياً في تسيير المعاملات وتوفير بدائل دفع إلكترونية في الأوقات الحرجة.
تحديات قائمة وضغوط اقتصادية عامة
رغم النجاح الرقمي، لا يزال شح الأوراق النقدية والقيود على إدخال العملات يفرض تحديات بالغة على السكان في غزة. ويتزامن ذلك مع تدهور عام في ربحية القطاع المصرفي الفلسطيني نتيجة تباطؤ الإقراض وارتفاع الانكشاف على القطاع العام.
نموذج مصرفي يُدرس في إدارة الصدمات
تُقدم تجربة بنك فلسطين نموذجاً عملياً للمؤسسات المالية في كيفية حماية الوظائف الأساسية من سيولة وملاءة وثقة أثناء الحروب. وتثبت التجربة أن بناء المخصصات الاستباقية وتطوير خطط استمرارية الأعمال هما الركيزتان الأساسيتان للنجاة في البيئات عالية المخاطر.

