غزة/ الاقتصادية
في الوقت الذي تواصل فيه الصناعات العسكرية الإسرائيلية تسجيل أرقام قياسية في حجم الصادرات والطلبيات الخارجية، تكشف معطيات جديدة عن أزمة مالية متفاقمة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بدأت تنعكس بصورة مباشرة على مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع الصناعات الدفاعية، في ظل عجز وزارة جيش الاحتلال عن الوفاء بالتزاماتها المالية وتراجع قدرتها على إصدار طلبيات شراء جديدة بسبب الضغوط المتزايدة على الموازنة العسكرية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية العبرية، تراكمت على وزارة جيش الاحتلال ديون غير مسبوقة تبلغ نحو 15.5 مليار شيقل لصالح شركات الصناعات العسكرية الكبرى، وعلى رأسها الصناعات الجوية الإسرائيلية ورافائيل وإلبيت سيستمز. ورغم ضخامة هذا الرقم، فإن الشركات الثلاث الكبرى ما زالت تتمتع بوضع مالي مريح نسبياً بفضل الطلب العالمي المتزايد على السلاح الإسرائيلي، إذ استحوذت خلال عام 2025 على نحو 90% من إجمالي صادرات السلاح الإسرائيلية التي بلغت مستوى قياسياً وصل إلى 19.2 مليار دولار، فيما يبلغ إجمالي طلبياتها المستقبلية نحو 90 مليار دولار.
لكن الصورة تختلف جذرياً بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على العقود الحكومية والطلبيات الصادرة عن وزارة جيش الاحتلال. ونقل التقرير عن مسؤولين ومديرين في عدد من هذه الشركات قولهم إن حجم المناقصات التي تنشرها وزارة الجيش تراجع بصورة حادة خلال الأشهر الأخيرة، ما أدى إلى تباطؤ ملحوظ في النشاط الصناعي وانخفاض حجم الأعمال.
وقال أحد أصحاب الشركات المتخصصة في إنتاج مكونات أساسية لمنظومات الدفاع الجوي التي تصنعها الصناعات الجوية ورافائيل إن استمرار حصول شركته على طلبيات ثابتة من الشركات الكبرى ساعدها على الصمود، إلا أن الطلب الحكومي المباشر في معظم المجالات الأخرى يكاد يكون متوقفاً. وأضاف أن ما وصفه بـ"الازدهار الكبير" الذي تعيشه الصناعات العسكرية الإسرائيلية يتركز في الشركات الكبرى فقط، بينما تواجه الشركات الصغيرة ضغوطاً متزايدة نتيجة تراجع قيمة الدولار وارتفاع تكاليف الأجور وتراجع هوامش الأرباح. وفي شركة أخرى تعمل في مجال تصنيع الأسلحة الخفيفة، أكد مسؤولون أن العديد من مناقصات التزود بالأسلحة المخصصة للجيش الإسرائيلي لم تُنشر حتى الآن رغم الحاجة الفعلية إليها، ما أثار مخاوف من اتساع حالة الجمود في السوق العسكرية المحلية.
ويقول مدير إحدى الشركات العاملة كمقاول فرعي للصناعات العسكرية الكبرى إن الشركات الصغيرة تتعرض لما وصفه بـ"ضربة مزدوجة"، فوزارة جيش الاحتلال لا تشتري منها بشكل مباشر، كما أنها تقلص أيضاً مشترياتها من الشركات الكبرى باستثناء الأنظمة المرتبطة بالحاجات العسكرية العاجلة، ما يؤدي تلقائياً إلى انخفاض حجم الأعمال التي تصل إلى المقاولين الفرعيين. وأضاف أن هذا الواقع يفرض على الشركات اتخاذ قرارات استثمارية مكلفة للتوسع في الأسواق الخارجية من أجل البقاء، بينما تفتقر شركات كثيرة إلى الإمكانات التي تسمح لها بخوض مثل هذه المغامرات.
وتربط المؤسسة الأمنية الإسرائيلية هذا التراجع في الطلبيات بالأزمة المتفاقمة في تمويل النفقات العسكرية. فبحسب التقرير، تخوض وزارة جيش الاحتلال معركة مستمرة مع وزارة المالية في ظل ما تصفه المؤسسة الأمنية بفقدان السيطرة على حجم الإنفاق الدفاعي نتيجة الحروب المتواصلة. وتؤكد وزارة الجيش أن معظم الموارد المتاحة تُوجَّه حالياً لتلبية الاحتياجات العملياتية العاجلة للجيش وتمويل النفقات الجارية، بما في ذلك إعادة تأهيل الجرحى، وتعويض عائلات القتلى، والحفاظ على قوات احتياط كبيرة منتشرة في عدة جبهات.
وتشير المعطيات إلى أن جيش الاحتلال ما زال يحتفظ بقوات كبيرة في قطاع غزة وجنوب لبنان وسوريا، بالتوازي مع استمرار حالة التأهب تحسباً لأي مواجهة جديدة مع إيران. ووفقاً للتقديرات التي أوردها التقرير، بلغت كلفة 17 ساعة فقط من المواجهة العسكرية مع إيران في بداية الأسبوع نحو نصف مليار شيقل، شملت تشغيل منظومات الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية باستخدام صواريخ "حيتس 3"، إضافة إلى تكاليف تشغيل الطائرات الحربية والذخائر المستخدمة في الهجمات الإسرائيلية.
ولا تشمل هذه الأرقام سوى جزء من الإنفاق العسكري، إذ تقدر المؤسسة الأمنية أن الكلفة اليومية للحرب على مختلف الجبهات تتراوح بين 100 و130 مليون شيقل. كما كشفت مصادر أمنية للصحيفة أن إجمالي النفقات العسكرية منذ اندلاع المواجهة الحالية مع إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي بلغ نحو 47 مليار شيقل. وفي ظل هذه الأعباء، تطالب وزارة جيش الاحتلال برفع ميزانية الدفاع لعام 2026 إلى 188 مليار شيقل، بعدما كانت قد طلبت في وقت سابق 184 مليار شيقل. ويُعد هذا الرقم أعلى بكثير من الميزانية الحالية البالغة 144 مليار شيقل، والتي سبق أن رُفعت بمقدار 32 مليار شيقل مع بداية الحرب الأخيرة مع إيران.
غير أن وزارة المالية الإسرائيلية ترفض الاستجابة لهذه المطالب، وتتهم المؤسسة الأمنية بسوء الإدارة والتوسع غير المنضبط في الإنفاق. ويعكس هذا الخلاف اتساع الفجوة بين المؤسستين بشأن قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمل تكاليف الحروب المتعددة الجبهات، خصوصاً مع تزايد المؤشرات على أن النفقات العسكرية قد تتجاوز قريباً حاجز 200 مليار شيقل إذا استمرت الأوضاع الأمنية الحالية أو شهدت مزيداً من التصعيد.
وقال مسؤول أمني للصحيفة إن وزارة جيش الاحتلال لم تصدر تعليمات رسمية بوقف الطلبيات الموجهة للشركات الصغيرة والمتوسطة، إلا أن الواقع المالي القائم يجعل إصدار عقود شراء جديدة أكثر صعوبة من سداد بعض الديون القائمة. وأضاف أن الطلبيات الجديدة تُمنح حالياً وفق معيار الضرورة القصوى وارتباطها المباشر بالحرب، مثل الأنظمة المخصصة لمواجهة الطائرات المسيّرة الحديثة، وخاصة المسيّرات الموجهة عبر الألياف البصرية.
ورغم تخصيص نحو ملياري شيقل لتطوير حلول عاجلة لمواجهة هذا التهديد، أقر المسؤولون الأمنيون بأن إسرائيل لم تتمكن حتى الآن من إيجاد وسيلة فعالة للقضاء على خطر هذه المسيّرات، وأن جهود البحث والتطوير ما زالت مستمرة.
وفي محاولة لمعالجة الاختلالات المتزايدة في منظومة الشراء العسكري، شكلت وزارة جيش الاحتلال فريقاً خاصاً برئاسة اللواء احتياط أمير أبولعافية، بتكليف من المدير العام للوزارة أمير بارام، لمراجعة سياسات المشتريات العسكرية وآليات عمل إدارة المشتريات وإدارة تطوير الوسائل القتالية والبنى التكنولوجية. ومن المقرر أن يقدم الفريق توصياته بحلول سبتمبر/أيلول المقبل.
ويخلص التقرير إلى أن الطفرة التاريخية التي تشهدها صادرات السلاح الإسرائيلية تخفي وراءها أزمة متفاقمة داخل الاقتصاد العسكري المحلي. فبينما تحقق الشركات الكبرى أرباحاً قياسية مستفيدة من الطلب العالمي المتزايد على السلاح، تواجه عشرات الشركات الصغيرة والمتوسطة مخاطر حقيقية تهدد استمراريتها بسبب تراجع الطلبيات الحكومية وتصاعد أعباء الحرب، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل إسرائيل من أن تتحول النفقات العسكرية المتضخمة إلى عبء اقتصادي يصعب احتواؤه في السنوات المقبلة.

