اليوم الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦م

انقلاب المدفوعات في غزة

اليوم, ٢:٢٦:٣٣ م
أحمد أبو قمر
الاقتصادية

بقلم/ أحمد أبو قمر

يشهد قطاع غزة تحولا اقتصاديا لافتا يتمثل في انتقال تدريجي من اقتصاد يعتمد على السيولة النقدية إلى اقتصاد قائم بشكل متزايد على وسائل الدفع الإلكتروني، وهو تحول فرضته ظروف استثنائية أكثر مما نتج عن تطور طبيعي في البنية المالية.

 

 ففي وقت كانت النقود الورقية تمثل أداة الدفع الأكثر طلبا خلال الأشهر الماضية والحصول عليها يتطلب دفع عمولات مرتفعة عبر عمليات "التكييش" وصلت لنصف المال، باتت اليوم تواجه حالة من النفور المتزايد داخل الأسواق.

 

 ويعكس هذا التحول اختلالا واضحا في وظيفة النقد كوسيلة للتبادل حيث لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بندرة السيولة وإنما أيضا بتراجع قبولها بين المتعاملين. فانتشار الأوراق النقدية التالفة وأزمة الفكة ورفض بعض الفئات النقدية أو اشتراط سلامتها الكاملة، كلها عوامل أضعفت كفاءة التعامل النقدي وزادت من تكاليف استخدامه بالنسبة للمستهلك والتاجر على حد سواء.

 

في المقابل، يوفر الدفع الإلكتروني مزايا عملية للتجار أبرزها سهولة تسوية المعاملات وتجنب مخاطر الاحتفاظ بالنقد وصعوبة تصريفه، كما ساهم اتساع استخدام التطبيقات المالية والتحويلات الرقمية في تعزيز الثقة بهذا النمط من التعاملات رغم التحديات القائمة المتمثلة في تجميد الحسابات والمشاكل البرمجية التي تحدث بين فترة وأخرى.

 

 لكن هذا التحول لا يخلو من مخاطر اقتصادية واجتماعية، إذ ما زالت شريحة واسعة من المواطنين تعتمد على الرواتب النقدية أو تفتقر إلى الوصول السهل للخدمات الإلكترونية ما قد يؤدي إلى شكل جديد من الإقصاء المالي، كما أن استمرار غياب الحلول لأزمة النقد الورقي قد يعمق الانقسام بين الاقتصاد النقدي والرقمي.

 

وبالتالي ما تشهده غزة اليوم يعكس إعادة تشكيل للعلاقات المالية داخل السوق في ظل أزمة نقدية فرضتها حرب الإبادة، وليس مجرد تغير في وسائل الدفع، وهو ما قد تترك آثارا طويلة الأمد على سلوك المستهلكين والتجار والنظام الاقتصادي بأكمله.