غزة/الاقتصادية
أزمة حقيقية تلوح في الأفق سيواجهها القطاع المصرفي الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية حال نفذت الحكومة الإسرائيلية تهديدها بعدم تمديد فترة الضمان للبنوك الإسرائيلية للتعامل مع البنوك الفلسطينية والتي تنتهي الأحد القادم الموافق 14يونيه 2026 قبل الحديث عن هذه الأزمة وتداعياتها هناك.
الكثير من التساؤلات التي تحتاج لإجابه ويستعرض في هذا التقرير الذي أعده الخبير المصرفي عدنان الفليت أهم القضايا وأهم المخاطر.
التحديات المتوقعة حال تنفيذ قرار قطع العلاقة بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية وما هي نقاط القوة التي يمكن للقطاع المصرفي الركون إليها في مواجهة التحديات ونلخصها في الإجابة على الأسئلة التالية:
- ماذا يعني الضمان الذي تمنحه الحكومة الإسرائيلية للبنوك الإسرائيلية
- ما أثر القرار على القطاع المصرفي
- ما أثر القرار على الاقتصاد الفلسطيني والحركة التجارية والأسعار
- كيف ستواجه سلطة النقد والمصارف الفلسطينية والحكومة التحديات التي ستنتج عن هذا القرار
“يعرف الضمان" الذي تمنحه الحكومة الإسرائيلية للبنوك الإسرائيلية بأنه الإطار القانوني الذي يشكل حماية قانونية وتنظيمية للبنوك الاسرائيلية التي تقدم خدمات المراسلة والمقاصة للبنوك الفلسطينية حيث تخشي البنوك الاسرائيلية من المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بقواعد مكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب نتيجة مرور أموال لمنظمات إرهابية أو ما شابه عبر هذه البنوك مما يعرضها لدعاوى قضائية وغرامات مالية وقد تصل إلى فرض عقوبات وقيود على هذه البنوك.
لذلك ولكي تكتمل الدورة المالية والتجارية بين مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة تقوم الحكومة الإسرائيلية طوال الأعوام الماضية بمنح البنوك الإسرائيلية المراسلة التي تتعامل مع البنوك الفلسطينية ضمان مقترن بمدة زمنية تتحمل فيه الحكومة الاسرائيلية المسؤولية إلى جانب البنوك عن أي قضايا تتعلق بتمرير أموال مشبوهة وحال انتهت هذه المدة تصبح البنوك وحدها المسئولة عن هذه المخاطر.
السيناريوهات المتوقعة بخصوص وقف التعامل وقطع العلاقة مع البنوك الفلسطينية:
1- تدخل المجتمع الدولي وأمريكا للضغط على الجانب الإسرائيلي وبالتالي تجديد مدة الضمان وهذا السيناريو المرجح حدوثه.
2- قطع جزئي للعلاقة من خلال فرض المزيد من القيود على الحوالات والمقاصة وتشديد الرقابة عليها من
خلال التشدد في طلب المعززات وفرض سقوف معينه للحوالات.
3- قطع كامل للعلاقة وهو السيناريو الأسوأ على الاطلاق واحتمال وقوعه أقل نظرا لعدة اعتبارات أهمها الضرر الكبير الذي سيلحق بالقطاع التجاري (الصادرات) والحديث يطول في هذا الجانب لأهمية الطرف الفلسطيني للتجارة وللاقتصاد الإسرائيلي.
بافتراض وقوع السيناريو الأخير: سنعرض بشكل مختصر أثر القرار على القطاع المصرفي وعلى الاقتصاد الفلسطيني
-أهم ثلاث مشكلات ستواجه البنوك الفلسطينية:
- توقف كلي لإدخال وترحيل النقد وتكدس الشيكل وعدم المقدرة على ترحيل النقد التالف (مشكلة السيولة).
- توقف كلي للتسويات التجارية بين الجانبين
- أثر جزئي في استقبال وإرسال الحوالات الخارجية ومن المتوقع أن يكون الأثر الأكبر في الضفة الغربية لبعض الاعتبارات أهمها:
النظام المصرفي في غزة وصل خلال ثلاث سنوات من الحرب إلى ما هو أبعد بكثير من قطع العلاقة مع البنوك الاسرائيلية حيث تحمل النظام تبعات حرب مدمرة دمرت أكثر من 90% من مقرات الفروع وأدت إلى توقف الصرفات وخروجها عن الخدمة علاوة على سرقة الأثاث والاصول وبعض الخزنات وصناديق الأمانات.
وعانت بنوك غزة من فقدان السيولة في أول أشهر الحرب وعدم المقدرة على ترحيل الاموال التالفة واستبدالها إضافة للقيود اللامحدودة على الحوالات والتي أصبح يشعر بها جميع سكان غزة وصعوبة إدخال أموال المساعدات والتبرعات وصعوبة التعامل مع البنوك المراسلة الإسرائيلية وبالتالي عدم المقدرة على عمل التسويات التجارية وقبلها بأعوام كان وقف تام لمقاصة الشيكات بين غزة والبنوك الإسرائيلية.
ومن الجدير ذكره برغم كل التحديات والقيود والحصار الذي تعرض له القطاع المصرفي في غزة إلا أنه صمد واستطاع أن يقدم الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين وساهم في حل الكثير من المشكلات التي عانى منها الناس وأهمها نقص السيولة من خلال الاعتماد على المعاملات الالكترونية في التداول بنسبة تزيد عن 80%.
أثر قرار قطع العلاقات على القطاع المصرفي الفلسطيني
-مشاكل السيولة: عجز في غزة وفائض في الضفة وتباين في أسعار صرف العملات بين البنك والسوق.
- انتشار سوق الكاش خارج الإطار المصرفي أو ما يسمى بالسوق السوداء للعملة والذي يتم من خلاله بيع الكاش مقابل عمولة وقد تكون العملية عكسية في حال وجود فائض في الكاش فيتم التخلص منه مقابل عمولة يتم تحديدها حسب الحاجة للكاش وصلت في قطاع غزة إلى 40 % أو أكثر في العام الأول من الحرب.
- زيادة الطلب على الودائع من قبل المودعين خوفا من تفاقم الأزمة وعدم مقدرتهم من سحب أموالهم مستقبلا
- عدم القدرة على تنفيذ التسويات مع الشركات الإسرائيلية وقيود أكبر على الحوالات
- انتقال جزء مهم من الاقتصاد خارج النظام المصرفي من خلال التعاملات النقدية
- تراجع الطلب على الائتمان واحتمالية تعثر بعض الديون
أثر القرار على القطاع الاقتصادي والتجاري
فكما هو معروف بأن الحركة التجارية لمناطق السلطة الفلسطينية مرتبطة بشكل كبير بالجانب الاسرائيلي ومن المتوقع أن يكون لهذا القرار أثر سلبي على الحركة التجارية بين الطرفين تتمثل في:
-صعوبة تسديد التسويات التجارية بين الشركات الإسرائيلية والفلسطينية مما يسبب في ركود في النشاط التجاري ويلحق الضرر بالشركات المستوردة وتأخير في سلاسل التوريد.
- ارتفاع الأسعار بسبب صعوبة الاستيراد وزيادة تكلفة السيولة.
- ضغط على الرواتب والقطاع العام وتأخير تحويل الرواتب أو دفعها بشكل جزئي.
-الاعتماد بشكل أكبر على الاقتصاد النقدي كما حدث في غزة في العام الاول والثاني من الحرب وهذا الامر له تداعيات سلبية على ارتفاع الاسعار والاحتكار وتحكم السوق السوداء في حركة البضائع وأسعارها إضافة للكثير من الاثار السلبية التي تنتج عن فقدان الشفافية في الحركة التجارية.
ما يتوجب فعله من قبل البنوك وسلطة النقد ووزارة المالية أو الحكومة الفلسطينية لمواجهة هذا القرار
والحد من أثاره وتبعاته على المنظومة المصرفية والمنظومة الاقتصادية
من المعروف أن الاقتصاد كلما كان أكثر هشاشة كلما كان أكثر تأثرا بالأزمات لذلك هناك مجموعة من الإجراءات التي تلزم للحد من الأزمة المتوقعة عن القرار:
-تشكيل غرفة عمليات موحدة من الخبراء تضم ممثلين عن سلطة النقد والمالية والاقتصاد والبنوك والغرف التجارية والصناعية ممثلة للقطاع الخاص وشركات الدفع وأي أطراف من أصحاب العلاقة ويكون لهذه الغرفة عدة مهام لإدارة الأزمة تتمثل في:
- طمأنة الجمهور بشكل مستمر للحد من قلقهم بشأن الودائع والحد من السحوبات
-حماية السيولة داخل النظام المصرفي مثل: إعطاء أولويات للصرف والتحويل وتوزيع السيولة النقدية بشكل عادل بين البنوك والفروع للتخفيف من أزمة الكاش ووضع قيود على السحوبات الكبيرة الغير مبررة إذا لزم الأمر.
- إدارة أزمة الشيكل النقدي وتقليل الاعتماد على الشيكل: وحيث أن معظم التعاملات التجارية تتم بعملة الشيكل ويعتبر الشيكل بمثابة العملة الرئيسية للفلسطينيين يتوجب من الجهات المختصة توجيه الناس لتوسيع التعامل بالدفع الالكتروني والتقليل من استخدام الكاش.
- توجيه الناس لاستخدام العملات الأخرى دينار ودولار ويورو وهنا لا بد من الإشادة بقرار إدارة بنك فلسطين لإدخال عملات جديدة مثل الجنية المصري والليرة التركية والدرهم الإماراتي وهذا القرار له الكثير من ويأتي هذا القرار كتنويع للعملات وتقليل الاعتماد على عدد محدود من العملات خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الحالية.
-ضمان استمرار الرواتب والحوالات خاصة حوالات المساعدات من خلال وضع الية طوارئ لصرف رواتب القطاع العام وحماية وصول المساعدات إلى مستحقيها.
- تطوير وتوسيع البنية الرقمية والعمل على رقمنه المدفوعات الحكومية وغير الحكومية وتعزيز المحافظ الالكترونية وتقليل الاعتماد على الكاش.
- العمل على إنشاء صندوق استقرار مالي وبناء شبكة أمان دولية من خلال التوجه للداعمين وللدول العربية والصديقة لدعم هذا الصندوق لأهميته في مواجهة نقص السيولة ودعم البنوك المتضررة.
-العمل على إيجاد بنوك مراسلة جديدة وشبكات تحويل دولية غير مرتبطة مباشرة بالنظام المصرفي الإسرائيلي إضافة للكثيرين الإجراءات التي قد تصدر عن الجهات المعنية نتيجة لإدارة الأزمة.
ختاما: الأثر الأكبر ربما يكون بشكل أسرع في الضفة الغربية وسينعكس الضرر على التجارة والاستيراد وسيكون الضغط الأكبر على الشركات المقترضة والشركات الصغيرة.
أما غزة برغم هشاشة اقتصادها مقارنه مع الضفة إلا أنها ستكون أقل تأثرا من القرار وكما ذكرنا سابقا لأن قرار قطع العلاقات مطبق على غزة منذ ثلاثة أعوام بنسبة 90%.

