اليوم الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦م

مشروع سكة حديد الحجاز يربك حسابات إسرائيل الاقتصادية

اليوم, ٣:٣٨:٥٤ م
سكة حديد الحجاز
الاقتصادية

وكالات/ الاقتصادية

 

شهدت العاصمة السعودية الرياض تحولًا جيواستراتيجيًا بارزًا في خريطة النقل واللوجيستيات الإقليمية، عقب توقيع المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية مذكرتي تفاهم لتعزيز التعاون المشترك في قطاعي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية. وقاد هذا التحرك وزير النقل السعودي صالح الجاسر ونظيره التركي عبد القادر أورال أوغلو، في خطوة تدفع باتجاه التأسيس لعهد جديد من التكامل البري يربط الخليج العربي بالبحر الأبيض المتوسط، ويعيد صياغة مسارات سلاسل الإمداد العالمية بناءً على محددات اقتصادية واضحة، متجاوزًا بشكل كامل ومباشر الأراضي والمشاريع الإسرائيلية.

 

المشروع الطموح، الذي يستهدف إحياء وتحديث مسار "سكة حديد الحجاز" التاريخية وتطوير ممرات برية لنقل الركاب، والبضائع، والحجاج بين موانئ الخليج وأوروبا، يأتي في وقت تتسارع فيه مساعي حكومات المنطقة لتأمين قنوات تجارية مستقرة ومستدامة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية قصوى كونها تقدم بديلًا بريًا خالصًا قادراً على تفادي الاضطرابات الجيوسياسية المستمرة في الممرات المائية الحيوية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، وتضمن تدفق التجارة دون انقطاع بعيدًا عن شروط الإملاءات الإقليمية.

 

ممر بري متواصل يسقط الشروط السياسية والتطبيعية لممر "آيمك"

 

يمثل الممر السككي المقترح، والمخطط لإنجازه عبر الأردن وسورية في غضون ثلاثة إلى أربعة أعوام، ضربة استراتيجية وإجهاضًا عمليًا للمشاريع الإقليمية المنافسة التي تسعى لدمج إسرائيل في شبكات النقل بالمنطقة، وعلى رأسها ممر "الهند - الشرق الأوسط - أوروبا" (IMEC) المدعوم من الولايات المتحدة وتل أبيب.

 

وفي حين يعاني ممر (IMEC) من ركود هيكلي وشلل شبه تام نتيجة ارتهانه لشروط سياسية معقدة وحتمية إنجاز ملفات التطبيع بين الرياض وتل أبيب، بالإضافة إلى كلف الترانزيت المرتفعة الناتجة عن طبيعته الهجينة التي تدمج بين السفن والقطارات، فإن ممر الحجاز الجديد يوفر جسرًا بريًا متواصلًا ومباشرًا يتجاوز إسرائيل تمامًا.

 

هذا الالتفاف الاستراتيجي يستثمر في التقارب الاقتصادي الفعلي والواقعي بين أنقرة والرياض، ويقطع الطريق أمام المحاولات الإسرائيلية الرامية لتحويل موانئها على البحر المتوسط إلى نافذة وحيدة للتجارة الخليجية والآسيوية نحو الغرب.

 

وتتطلع الدول الموقعة إلى تحويل هذا المسار إلى محور جيواستراتيجي مستقل يتكامل مع مشاريع نقل كبرى في المنطقة، مثل "طريق التنمية" العراقي و"الممر الأوسط"، مما يمنح الأناضول ومنطقة الخليج نفوذًا لوجيستيًا ورقابيًا سياديًا واسعًا على حركة التجارة الأوراسية، ويعزز مرونة سلاسل التوريد ضد صدمات المضايق البحرية دون الحاجة للمرور عبر موانئ الاحتلال.

 

حسابات الجدوى الاقتصادية واختصار الوقت لقطاعات الطاقة والبضائع

 

تنعكس الآثار الاقتصادية المباشرة لهذا الربط السككي المستقل عن إسرائيل في خفض كلف الشحن ونقل السلع الأساسية ومواد الطاقة، مثل النفط والغاز المسال، بنسب ملموسة بفضل اختصار الوقت والمسافات مقارنة بالالتفاف حول الممرات البحرية الطويلة وغير الآمنة. وعلى الرغم من أن أسعار الشحن السككي عالميًا تتراوح بين 0.02 و0.05 دولار للطن/الكيلومتر، فإن الفائدة الحقيقية تظهر في قيمتها التشغيلية لقطاعات محددة؛ فالبتروكيماويات السعودية المتجهة إلى أسواق جنوب أوروبا وتركيا ستختصر أسبوعين من زمن العبور البحري، كما ستستفيد المواد الغذائية والمبردة لحساسيتها للوقت، بينما ستجد قطاعات الإلكترونيات والسلع تامة الصنع في هذا الممر بديلاً عمليًا وتنافسيًا للشحن الجوي الباهظ.

 

ومن الناحية الفنية، يتطلب استكمال المشروع معالجة الفجوة اللوجستية بين سورية والأردن الممتدة بنحو 400 كيلومتر، في حين أن البنية التحتية على الجانب السعودي مكتملة بالفعل حتى منفذ الحديثة على الحدود الأردنية، وتصل شبكة القطارات التركية إلى غازي عنتاب بالقرب من الحدود السورية. وتشير التقارير إلى توجيه استثمارات أولية تقارب 100 مليون دولار لإعادة تأهيل الخط الرابط بين تركيا وحلب، مما يساهم في تسريع إعادة الإعمار ودمج سورية في الاقتصاد الإقليمي، تمهيدًا لتوسيع الشبكة لاحقًا لتشمل باقي دول مجلس التعاون الخليجي في خط بري موحد ينطلق من قلب الخليج ويصل إلى عمق أوروبا دون أي رابط مع تل أبيب.

 

ما بعد فبراير 2022: تحولات التجارة الدولية كساحة نفوذ سيادي

 

في قراءة لأبعاد هذا التحول، يرى خبراء الاقتصاد السياسي أن عالم ما بعد الأزمة الأوكرانية في فبراير 2022 لم يعد يتعامل مع خرائط التجارة بوصفها مجرد مسارات لوجستية تحكمها الجغرافيا، بل تحولت إلى ساحات مفتوحة للتنافس على النفوذ الدولي وإعادة صياغة الاصطفافات.

 

ومع إغلاق الممر الشمالي العابر لأوروبا الشرقية، باتت الحاجة ملحة لبدائل هيكلية ثابتة وليست ترقيعية، وهو السياق الذي يمنح التفاهم السعودي التركي أبعاده العميقة؛ حيث يرفض المشروع رهن تدفقات التجارة الحيوية بمسارات تفرضها واشنطن لدمج إسرائيل، ويستبدلها بمسارات جغرافية طبيعية عابرة للدول العربية والتركية.

 

ومع ذلك، تظل مسارات الربط بين شبه الجزيرة العربية والأناضول محاطة بخيارات سياسية دقيقة بين العبور عبر الأردن وسورية أو العراق؛ فالمسار العراقي يبدو الأكثر واقعية جرافيًا لكنه واجه تحديات في الحوكمة، بينما يظل المسار السوري رهينًا بملفات الاستقرار والإعمار. ورغم أن هذا الخط ينافس ممرًا بحريًا ضخمًا مثل قناة السويس، إلا أن المنافسة تنحصر في نوعية الحمولات ذات القيمة المضافة العالية والحساسة لعنصر الوقت، مما يجعله مشروعًا مكملًا للقدرات العربية وليس خصمًا منها.

 

تحديات تقنية وحوكمة مركبة تواجه حبر الاتفاقيات

 

على الجانب الآخر، تبرز فجوة واضحة بين نصوص الاتفاقيات والواقع التشغيلي على الأرض، حيث تواجه شبكات السكك الحديدية في المنطقة تحديات تقنية تتعلق بتفاوت المقاسات القياسية وغياب الترابط التشغيلي بين دول العبور. ورغم أن السعودية وتركيا والعراق والأردن تعتمد رسميًا المقاس القياسي الدولي البالغ 1435 ملم، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في البنية المحيطة، مثل نظم الإشارات، وأنظمة الجهد الكهربائي، وانحناءات المسارات؛ إذ تعمل تركيا بأنظمة إشارات أوروبية حديثة في خطوطها الجديدة وتستبقي أنظمة قديمة في مناطق أخرى، وهو تفاوت يؤثر سلبًا على سلاسة التدفق التجاري.

 

وتبرز المعضلة الأعمق في ملف "الحوكمة المركبة"؛ وتحديدًا حول الأطراف التي ستتحمل كلفة ترقية الشبكات والمعايير المتبعة، وضمان استمرارية التشغيل عند حدوث تقلبات سياسية. ويؤكد مراقبون أن التجربة الأوروبية المماثلة استغرقت سبعة عقود من التكامل المؤسسي للوصول إلى وحدة الشبكات، مما يجعل المشروع الحالي قفزة نوعية تحتاج إلى توافقات سيادية قوية بين الدول الشريكة، لضمان تحويل هذا الإعلان الاستراتيجي المستقل عن النفوذ الأميركي والإسرائيلي إلى واقع تشغيلي ملموس على الأرض.

 

شبكة أمان لوجيستية وصمام أمان لأوقات الأزمات

 

من المنظور الاقتصادي التنموي، يمثل الربط السككي بين السعودية وتركيا تحولًا جذريًا يعالج الاختناقات الحالية والمستقبلية في سلاسل الإمداد بعيدًا عن الجغرافيا الإسرائيلية. ورغم أن النقل السككي قد لا يكون البديل الأرخص للنقل البحري في الظروف الطبيعية المستقرة، إلا أنه يتحول إلى خيار استراتيجي لا غنى عنه في أوقات الأزمات والتحولات الطارئة، فضلًا عن جدواه العالية في نقل الركاب والبضائع السريعة.

 

وتعزز البنية التحتية الجاهزة جزئيًا من فرص نجاح المشروع، حيث يمكن إنجاز الفجوة المتبقية البالغة 400 كيلومتر خلال فترة زمنية قصيرة في حال تدفق التمويل اللازم والجهود الهندسية، لا سيما مع دخول شركات المقاولات التركية العملاقة التي تمتلك خبرات واسعة في مشاريع المنطقة كقطار الحرمين ومترو دبي. وفي نهاية المطاف، يمثل هذا الخط شبكة أمان لوجيستية ممتدة؛ ففي حال كانت الممرات البحرية آمنة يظل النقل البحري للنفط هو الخيار الأول، لكن تظل السكك الحديدية شريانًا بريًا دائمًا للبضائع والركاب، وصمام أمان استراتيجي مستقلًا يحمي المصالح الخليجية والإقليمية في أوقات الطوارئ.