بقلم_ فارس المالكي/
في أوقات الأزمات الكبرى، تصبح الكلمة مسؤولية وطنية قبل أن تكون حقاً في التعبير. فالمجتمعات التي تعيش تحت وطأة الحروب والانهيار الاقتصادي والحصار تحتاج إلى المعلومة الدقيقة بقدر حاجتها إلى الغذاء والدواء، لأن الثقة بالمؤسسات واستقرار الحياة العامة عنصران أساسيان في تعزيز الصمود والاستمرار.
وخلال الفترة الأخيرة، برزت أصوات ومنصات وجهت اتهامات قاسية للمؤسسات العاملة في فلسطين، وللقطاع المصرفي الفلسطيني على وجه الخصوص، وقدمت استنتاجات للرأي العام دون ما يكفي من الأدلة أو التوضيحات. ومن بين هذه الجهات مدير المرصد الأورومتوسطي، الذي نشر عبر منصاته وممثليه عدداً من المواقف والتصريحات المتعلقة بالقطاع المصرفي في غزة، والتي أثارت نقاشاً واسعاً وتساؤلات مشروعة حول مدى استنادها إلى معلومات مكتملة ودقيقة تعكس الواقع بكل تعقيداته.
ولا خلاف على أن النقد حق مشروع، وأن مساءلة المؤسسات واجب ضروري لا يمكن التخلي عنه، لكن الفرق كبير بين النقد المهني القائم على الحقائق والبيانات والتحقق، وبين الخطاب المبني على معلومات مضللة يثير الشكوك ويعزز القلق والانقسام بين شرائح المجتمع دون تقديم صورة متكاملة ومتوازنة للرأي العام. فعندما تتحول الاتهامات إلى أحكام مسبقة، والاستنتاجات إلى حقائق نهائية قبل استكمال التحقق من جميع الوقائع، يصبح من حق الجمهور أن يتساءل عن مدى مهنية هذا الخطاب وتأثيره على المجتمع.
ويثير القلق أن يستخدم القائمين على مؤسسات الرصد والتوثيق، مثل المرصد الأورومتوسطي، منصاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإطلاق اتهامات أو تبني روايات تمس مؤسسات اقتصادية حساسة دون تقديم ما يكفي من الأدلة والبيانات التي تمكن الرأي العام من التحقق من صحتها بصورة مستقلة. وبحكم طبيعة عمل هذه المؤسسات، فإن التوقعات المهنية والأخلاقية تفرض مستوى عالياً من الدقة والتحقق والتوازن قبل نشر أي معلومات أو استنتاجات يمكن أن تؤثر على ثقة المواطنين بمؤسسات تخدم مئات الآلاف من الناس.
وكان من الأولى أن يسبق النشر تواصل مع الجهات المعنية، والاطلاع على البيانات والمعلومات الصحيحة، وعرض مختلف وجهات النظر، بما يضمن تقديم صورة متكاملة للرأي العام بدلاً من الاكتفاء ببث رواية أو استنتاجات أحادية الجانب. فالمسؤولية في أوقات الأزمات لا تقتصر على كشف الأخطاء إن وجدت، بل تشمل أيضاً الحرص على عدم نشر معلومات غير مؤكدة أو استنتاجات متسرعة قد تؤدي إلى إضعاف الثقة العامة أو إثارة مخاوف لا تستند إلى حقائق مكتملة وواضحة.
فالقطاع المصرفي الفلسطيني، وفي مقدمته بنك فلسطين، يعمل منذ سنوات في ظروف استثنائية فرضتها الحرب وتدمير البنية التحتية والتحديات الأمنية واللوجستية والاقتصادية غير المسبوقة. ورغم ذلك، استمرت الجهود للحفاظ على الخدمات المصرفية الأساسية للمواطنين، ولا سيما في قطاع غزة، حيث واصل البنك تقديم خدماته في ظل ظروف بالغة التعقيد والمخاطر.
وللأمانة، ونحن نتابع ما يجري في قطاع غزة منذ بداية الحرب، لم يقتصر دور بنك فلسطين على تقديم الخدمات المصرفية التقليدية، بل استمر في تشغيل فروعه وقنواته الإلكترونية وخدماته الرقمية بالحدود الممكنة، وسعى إلى تطوير حلول مصرفية وتقنية ساعدت في استمرار العجلة الاقتصادية، كما ساعدت المواطنين على الوصول إلى أموالهم وإجراء معاملاتهم المالية في وقت كانت فيه أزمة السيولة والنقد من أبرز التحديات التي تواجه السكان. كما ساهمت هذه الخدمات في الحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي واستمرار حركة التعاملات المالية في ظروف استثنائية لم يشهدها القطاع من قبل.
كما امتد هذا الدور إلى الجوانب الإنسانية والمجتمعية، من خلال دعم المبادرات الإغاثية والإنسانية وبرامج المسؤولية الاجتماعية التي استهدفت الفئات الأكثر تضرراً من الحرب، ومن أبرزها تبنى ورعاية أكثر من 20 ألفاً من الأطفال الأيتام الذين خلفتهم الحرب من خلال برنامج "نور". وقد شكلت هذه الجهود جزءاً من منظومة الصمود المجتمعي والاقتصادي التي ساعدت على التخفيف من آثار الأزمة والحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية للمواطنين.
ومن الإنصاف هنا طرح سؤال مباشر: ماذا كان يمكن للبنوك، وبنك فلسطين تحديداً، أن يقدم أكثر مما قدم في ظل هذه الحرب الكارثية؟ فحين تُوجَّه الاتهامات بسهولة، غالباً ما تُغفل التضحيات والخسائر الهائلة التي تكبدتها هذه المؤسسات وهي تحاول الاستمرار في خدمة الناس.
وبحسب المصادر، فقد بنك فلسطين أكثر من أحد عشر موظفاً، استشهد بعضهم مع عائلاتهم بالكامل، وفي ظروف مأساوية تقشعر لها الأبدان. وهذه ليست مجرد أرقام، بل خسائر بشرية موجعة أصابت المؤسسة في صميمها، وطالت كوادرها الذين كانوا في الصفوف الأمامية لخدمة المواطنين تحت القصف والخطر اليومي.
ولم تقتصر الخسائر على الموارد البشرية، بل امتدت إلى البنية التحتية والأصول التشغيلية؛ إذ دُمّرت مقرات وفروع ومكاتب للبنك داخل قطاع غزة، وتعرضت بعض الفروع لعمليات اقتحام وسرقة للأموال الموجودة فيها. كما تكبد البنك خسائر مالية كبيرة على مستوى محفظته الائتمانية في غزة نتيجة الانهيار الاقتصادي الواسع وتضرر آلاف العملاء والأنشطة الاقتصادية. ورغم ذلك؛ بقي البنك صامداً. لم ينسحب، ولم يوقف خدماته، بل واصل العمل بما توفر لديه من إمكانات، محافظاً على أرصدة العملاء وملتزماً باستمرارية الخدمة، حتى يبقى شرياناً مالياً واقتصادياً للمواطنين في واحدة من أقسى الكوارث التي شهدها القطاع.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: هل يأخذ الخطاب النقدي المتداول كل هذه الوقائع والتحديات بعين الاعتبار؟ وهل يقدم للرأي العام صورة متوازنة تعكس حجم الضغوط التي تعمل تحتها المنظومة المصرفية؟ أم أنه يركز على جانب واحد من المشهد ويغفل السياق الأوسع الذي تتحرك ضمنه هذه المؤسسات؟
كما أن البنوك العاملة في فلسطين ليست كيانات مستقلة عن النظام المالي العالمي، بل تخضع لمعايير رقابية ومتطلبات امتثال دولية صارمة. ولذلك فإن كثيراً من الإجراءات التي قد تبدو معقدة أو غير مفهومة للبعض لا تنبع بالضرورة من رغبة في التضييق على المواطنين، بل من التزامات قانونية وتنظيمية تهدف إلى حماية المؤسسة والعملاء والنظام المالي ككل، وضمان استمرار ارتباط القطاع المصرفي الفلسطيني بالمنظومة المالية الدولية.
وهذا لا يعني أن المؤسسات فوق النقد أو أن أداءها لا يحتاج إلى مراجعة وتطوير مستمر، بل يعني أن العدالة تقتضي أن يستند النقد إلى الوقائع والمعرفة، وأن يوازن بين حقوق المواطنين ومتطلبات استقرار النظام المالي واستمرارية الخدمات الأساسية. كما أن إطلاق اتهامات خطيرة أو نشر معلومات غير مكتملة على منصات من يفترض بهم الدفاع عن حقوق الإنسان وتوثيق الانتهاكات دون التحقق الكافي لا يضر بالمؤسسات وحدها، بل ينعكس على المجتمع والاقتصاد بأسره.
وفي نهاية المطاف، لا أحد يدّعي أن المؤسسات معصومة من الخطأ، ولا أن جميع الإجراءات المتخذة مثالية أو خالية من الإشكاليات. لكننا نعيش مرحلة استثنائية بكل المقاييس، مرحلة تتطلب قدراً أكبر من المسؤولية والتبصر والوعي بطبيعة التحديات التي تواجه المؤسسات الوطنية التي ما زالت تعمل وتخدم المواطنين رغم كل الظروف.
إن الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات وطنية قادرة على أداء دورها الاقتصادي والاجتماعي ليس دفاعاً عن مؤسسة بعينها، بل دفاع عن الاقتصاد الوطني، وعن استقرار الدورة الاقتصادية، وعن مصالح مئات الآلاف من المواطنين الذين يعتمدون على استمرار هذه المؤسسات في أداء وظائفها اليومية.
ففي زمن الأزمات الكبرى، يصبح النقد المسؤول ضرورة وطنية، لكن إضعاف الثقة العامة استناداً إلى معلومات مصطنعة أو استنتاجات متسرعة لا يخدم المواطنين ولا الحقوق ولا المصلحة العامة. وما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو خطاب مسؤول ومتوازن يستند إلى الحقائق، ويعترف بالتحديات والإنجازات معاً، ويحمي المجتمع ومؤسساته الوطنية في آن واحد، لأن صون ما تبقى من عناصر الصمود الاقتصادي ليس خياراً، بل ضرورة وطنية تفرضها المرحلة.

