بقلم/ المهندس علي حمودة
تحتل الطاقة الشمسية في فلسطين موقعاً متقدماً على أجندة الخطاب الرسمي والشعبي، بوصفها مدخلاً لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص الاعتماد على شركة الكهرباء الإسرائيلية (IEC). إلا أن المسافة بين الخطاب والواقع لا تزال شاسعة، وتتطلب مراجعة نقدية صريحة للعوامل البنيوية والسياسية والمؤسسية التي تحكم مسار هذا التحول، بدلاً من الاقتصار على الاحتفاء بالأرقام والمعدلات المستهدفة، آخذا بعين الاعتبار المواضيع و القضايا التالية:
أولاً: العوامل الموضوعية والذاتية المعيقة لانتشار الطاقة الشمسية
العوامل الموضوعية مرتبطة بواقع الاحتلال وقيوده المباشرة: السيطرة على المنطقة (ج) التي تضم أفضل المواقع من حيث الإشعاع الشمسي ومساحات الأرض، القيود على استيراد المعدات والمكونات عبر المعابر، ضعف قدرة الشبكة على استيعاب أحمال توليد إضافية في مناطق معينة، وغياب الربط الإقليمي الذي يحول الفائض الشمسي إلى عبء بدل أن يكون فرصة تصدير أو تخزين.
العوامل الذاتية أكثر إيلاماً لأنها قابلة للحل محلياً: ترهل الأداء المؤسسي وتداخل الصلاحيات بين بيرك (PENRA) وهيئة تنظيم قطاع الكهرباء (PERC) وشركة نقل الكهرباء (PETL) وشركات التوزيع، بطء دورة الترخيص وغياب نافذة موحدة، غياب تحديث دوري لدراسات استيعاب الشبكة (Hosting Capacity)، وتأخر إصلاح التعرفة بما يتناسب مع واقع التوليد الموزع. هذه العوامل الذاتية ليست أقل خطورة من القيود الإسرائيلية؛ بل هي التي تحدد إن كانت فلسطين ستستفيد من الهامش المتاح أصلاً أم تهدره.
ثانياً: العلاقة بظاهرة صافي الإقراض
ظاهرة صافي الإقراض (Net Lending) — أي المبالغ التي تقتطعها الحكومة الإسرائيلية من المقاصة لتسديد فواتير كهرباء غير محصّلة من بعض الهيئات المحلية والمناطق — مرتبطة عضوياً بأي نقاش حول التوسع في الطاقة الشمسية. فالتوليد الموزع، ما لم يُصمَّم ضمن تعرفة وآلية تحاسب عادلة (كحساب GUFC لرسوم استخدام الشبكة)، قد يقلّص الإيرادات المحصّلة من شركات التوزيع من دون أن يقلّص بالضرورة الفاقد التجاري وغير المحصّل في المناطق ذات معدلات التحصيل المتدنية. بعبارة أخرى: التوسع في الطاقة الشمسية لمن يدفع فاتورته أصلاً لا يعالج جذر صافي الإقراض، بل قد يُحمّل الشبكة كلفة تشغيلية إضافية بينما تبقى الفجوة المالية الحقيقية — فاقد التحصيل والفاقد الفني وغير الفني — على حالها أو تتفاقم.
ثالثاً: البعد السياسي
لا يمكن فصل هذا الملف عن سياقه السياسي. التبعية الطاقية لإسرائيل ليست خياراً تقنياً بل نتيجة مباشرة لقيود اتفاقية أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي، ولاستمرار تصنيف غالبية الأرض المناسبة للمشاريع الكبرى ضمن المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. كما أن أي خلل في أداء الشبكات الفلسطينية — تجاوز سقوف الأحمال المتفق عليها، تذبذب الجهد، الحمل الزائد على نقاط الربط — يُترجم إلى غرامات تدفعها الجهات الفلسطينية للمورد الإسرائيلي، أو إلى إطفاء محطات بقرار تقني-سياسي مشترك. هذا يجعل من توسيع التوليد الموزع، إن لم يُدرس بدقة من حيث قدرة الاستيعاب، أداة تكرّس التبعية بدل أن تفكّكها.
تتسع هذه الإشكالية السياسية لتشمل سلوكاً مؤسسياً محلياً لا يقل تعقيداً: بعض البلديات والهيئات المحلية غير المنضوية تحت شركات التوزيع، تنظر إلى تحصيل فواتير الكهرباء من المواطنين كأحد مصادر الدخل العام للبلدية، فتُحصّل القيمة من المستهلك دون أن تلتزم بتسديدها كاملة للمورد، وهو سلوك يغذي مباشرة ظاهرة صافي الإقراض ويربطها ببنية الحوكمة المحلية لا بالقيود الإسرائيلية فقط. وعندما تتوسع هذه الهيئات في دعم مشاريع طاقة شمسية على أراضيها دون تنسيق ودراسة فنية، فإنها قد تُقلّص القاعدة التي تُحصَّل عليها هذه الإيرادات أصلاً، فتصبح مصلحة البلدية المالية الضيقة، في بعض الحالات، متناقضة مع مصلحة الانتقال الطاقي الوطني. هذا يستدعي إعادة تعريف العلاقة المالية بين الهيئات المحلية والحكومة بما يفكك هذا التضارب البنيوي بدلاً من السكوت عنه.
رابعاً: التوازن بين الاستدامة والصمود
نعم، فلسطين بحاجة فعلية إلى توازن دقيق بين ثلاثة أهداف قد تبدو متقاطعة: الاستدامة المالية لقطاع الكهرباء، أهمية الطاقة النظيفة بيئياً واقتصادياً، ومقومات الصمود في وجه عدوان الاحتلال والمستوطنين على الأرض والبنية التحتية. الطاقة الشمسية الموزعة، عندما تُدار بحكمة، هي أداة صمود حقيقية — تقلّص الاعتماد على المورد الإسرائيلي وتمنح المجتمعات المحلية، خصوصاً في المنطقة (ج)، استقلالية طاقية جزئية. لكن صمودا غير محسوب الكلفة على الشبكة والمالية العامة لشركات التوزيع يهدد استدامة القطاع ككل، وهذا بالضبط ما يستدعي تخطيطاً تقنياً-مالياً دقيقاً لا حماسة شعاراتية.
خامساً: إعادة صياغة البيئة التشريعية
البيئة التشريعية الحالية متأخرة عن واقع التوليد الموزع. إعادة الصياغة المطلوبة تشمل: تحديث قانون الكهرباء العام بما يواكب صافي القياس / صافي الفوترة ودور أنظمة التخزين (BESS)، تمكين مجلس تنظيم قطاع الكهرباء فعلياً كجهة تنظيمية مستقلة قادرة على إصدار لوائح تعرفة وترخيص بمعزل عن الضغوط الإدارية، توحيد إجراءات الترخيص بين الوزارة وشركات التوزيع وسلطة الأرض والبلديات والدفاع المدني في نافذة واحدة، وربط منح الرخص بدراسات استيعاب شبكة محدّثة ومُعلنة بدلاً من معالجتها حالة بحالة.
سادساً: مدى واقعية خطة الوصول إلى 30%
الهدف الحكومي بالوصول إلى نسبة 30% من مزيج الطاقة من المتجددات يحمل طموحاً مشروعاً، لكن واقعيته التنفيذية تبقى محل تساؤل جدي في غياب: تمويل واضح ومستدام للبنية التحتية للشبكة (ليس فقط لإنشاء المحطات)، حل لقيود المنطقة (ج) على المشاريع الكبرى، ودراسات استيعاب شبكة محدّثة تؤكد قدرة الشبكة الحالية على استقبال هذا الحجم من التوليد المتقطع دون استثمارات موازية في التخزين والتحكم. الإعلان عن نسبة مستهدفة من دون مسار تنفيذي مفصّل وموازنة مرصودة يبقيها سقفاً سياسياً أكثر منه خطة تشغيلية.
سابعاً: أولوية معالجة الترهل في القطاع
هذه نقطة جوهرية: معالجة الفاقد الفني وغير الفني، وصافي الإقراض، وتنظيم السوق، وتسهيل الإجراءات من المؤسسات ذات العلاقة — هي شرط مسبق لنجاح أي توسع في الطاقة المتجددة، لا بديل عنه. قطاع يفقد نسبة معتبرة من الطاقة المولدة دون تحصيل، ويعاني من تشتت الصلاحيات بين الجهات الرقابية والتنفيذية، لن يستفيد من إضافة مصادر توليد جديدة بقدر ما يستفيد من ترشيد وتنظيم ما هو قائم أصلاً. الأولوية المنطقية هي إصلاح الأساس قبل البناء عليه.
ثامناً: إعادة هيكلة التعرفة الكهربائية
التعرفة الحالية لم تعد تعكس التكلفة الحقيقية للخدمة في ظل دخول التوليد الموزع على الشبكة. إعادة الهيكلة المطلوبة تشمل تعرفة تستند إلى منهجية Cost-Plus الواضحة، شريحة حماية اجتماعية لذوي الدخل المحدود، ورسوم استخدام شبكة عادلة لأصحاب مشاريع الطاقة الشمسية (GUFC) بما يحافظ على استدامة شركات التوزيع دون أن يُثقل كاهل المواطن أو يُضعف حافز التحول للطاقة الشمسية.
تاسعاً: الفوضى في أداء الشبكات والغرامات والإطفاء
من الإشكاليات التي لا تُطرح بالشفافية الكافية: حالات تجاوز سقوف الأحمال في بعض المواقع التي تترجم إلى غرامات تُدفع للمورد الإسرائيلي، أو إلى قرارات إطفاء لمحطات بعينها. هذه القضايا تحتاج إلى تقرير علني يوضح الأسباب التقنية (تذبذب الجهد، تجاوز الطاقة العظمى، نقص في التنسيق التشغيلي) بدل أن تبقى معلومة متناقلة من دون مساءلة أو معالجة جذرية.
عاشراً: التريث وتجميد الترخيص لحين اكتمال دراسات الشبكة
منح رخص توليد جديدة في مناطق لم تُستكمل فيها دراسات استيعاب الشبكة هو مقامرة فنية. التريث المؤقت وتجميد الترخيص في تلك المواقع، لحين الانتهاء من الدراسات، ليس تعطيلاً للتحول الطاقي بل حماية له من انهيارات تشغيلية تكلف القطاع أكثر مما توفره عجلة لا تستند إلى بيانات.
حادي عشر: الدراسات الممولة من جهات مانحة المُهمَلة
هناك عدد من الدراسات الجادة، الممولة من جهات مانحة دولية، التي أنفق عليها وقت ومال وخبرة، ولم تجد طريقها إلى التطبيق أو حتى إلى النقاش الجاد في صنع القرار. هذا يستدعي آلية مؤسسية لحصر هذه الدراسات ومراجعتها ودمج مخرجاتها في الخطط التنفيذية، بدل تكرار تمويل دراسات جديدة لمعالجة ما سبق تشخيصه.
ثاني عشر: غياب إشراك القطاع الخاص والخبراء
صياغة الخطط الاستراتيجية الكبرى دون حوار تشاركي حقيقي مع القطاع الخاص والخبراء التقنيين يُفقدها رصيداً معرفياً وتنفيذياً مهماً، ويُبقيها بعيدة عن الواقع التشغيلي اليومي للقطاع. الانفتاح على هذه الخبرات ليس تنازلاً عن السيادة في القرار، بل تعزيز لجودته وقابليته للتطبيق.
ثالث عشر: مرونة الترخيص، توحيد نماذج الشراء، التمويل الميسّر، ومجلس أعلى للطاقة المتجددة
تحتاج معالجة الترهل المؤسسي إلى أدوات تنفيذية محددة، من أهمها:
• ترخيص مرن للأنظمة الصغيرة على أسطح المنازل: يجب أن يتم بإجراءات مبسّطة وملموسة، بسقف زمني معلن للرد على الطلبات، ونموذج موحّد، ورسوم رمزية لا تشكّل عائقاً. هذه الأنظمة لا تشكّل خطراً يُذكر على استقرار الشبكة قياساً بالمحطات الكبيرة، وتعقيد ترخيصها يُحبط المواطن العادي الراغب في حماية نفسه من ارتفاع الفاتورة وتذبذب التزويد.
• نموذج موحّد لاتفاقيات الشراء (PPA) للمحطات الأرضية ذات القدرات الكبيرة: تشتت نماذج العقود بين الجهات المطوّرة وشركات التوزيع و شركة النقل يطيل التفاوض ويرفع المخاطر القانونية والمالية على الطرفين. نموذج موحّد، يعتمده مجلس النظيم وشركات التوزيع وشركة النقل يحدد بوضوح آليات التسعير وضمانات الأداء وآليات فسخ العقد وتوزيع المخاطر، من شأنه تسريع دخول الاستثمارات الكبرى وتقليص كلفة المعاملة.
• نافذة تمويلية ميسّرة: ربط الترخيص بنافذة تمويل ميسّرة، بالتنسيق مع البنوك المحلية والجهات المانحة، يخفف من العائق الأكبر أمام كثير من المشاريع المتوسطة، خصوصاً تلك التي يقودها القطاع الخاص الفلسطيني الصغير والمتوسط لا الشركات الكبرى فقط.
• تنظيم المشاريع بناءً على الدراسات الفنية: منح الأولوية والموقع لمشاريع التوليد بناءً على نتائج دراسات استيعاب الشبكة المحدّثة، لا على أساس “الأسبقية في التقديم” كما هو شائع حالياً، يحمي الشبكة من التشبع العشوائي في مناطق معينة بينما تبقى مناطق أخرى ذات قدرة استيعابية غير مستغلة.
• مجلس أعلى للطاقة المتجددة: في ضوء تعدد الجهات (سلطة الطاقة، شركة النقل مجلس التنظيم، شركات التوزيع، البلديات، الجهات المانحة)، يصبح إنشاء مجلس أعلى للطاقة المتجددة، يضم ممثلين عن هذه الجهات إلى جانب القطاع الخاص والخبراء، ضرورة وظيفية لا ترفاً مؤسسياً. مهمته الأساسية: توحيد الجهود، تنظيم وترتيب أولويات المشاريع وفق معايير فنية ومالية موحّدة، والفصل في تداخل الصلاحيات التي تُبطئ القطاع حالياً.
خاتمة: حق المواطن في الأمل وفي السعر العادل
نعم، أمن الطاقة وتقليص الاعتماد على المورد الإسرائيلي يستحقان الأولوية ضمن أي استراتيجية وطنية. لكن الصحيح أيضاً أن هذه الاستراتيجيات، إن لم تنعكس على فاتورة المواطن وعلى ثقته بالمستقبل، تبقى أهدافاً مؤسسية بعيدة عن واقعه اليومي. للمواطن الفلسطيني حق أصيل في أن يُعطى الأمل: أمن طاقي حقيقي، إلى جانب خفض ملموس في الأسعار، باعتبارهما وجهين متكاملين لمعادلة الصمود — لا أن يُطلب منه أن يصمد وحيداً في مواجهة كلفة لا يشاركه أحد في تحمّلها.
*المهندس علي حمودة يحمل درجة الماجستير في الهندسة الكهربائية، خريج جامعة بوليتكنك سانت بيترسبورغ ( ليننغراد سابقا) عام 1980/ وهو مهندس مستشار في مجال الهندسة الكهربائية، تقاعد بعد عمل ٤٠ عاما في شركة كهرباء محافظة القدس.

