اليوم الثلاثاء ٣٠ يونيو ٢٠٢٦م

سلطة النقد وغزة: حين ترى المؤسسة بعين رأس المال لا بعين المواطن

اليوم, ٩:٣٥:٣٥ م
محمود صبرة
الاقتصادية

بقلم/محمود صبرة 

في الأزمات الكبرى، لا تُختبر المؤسسات بما تقوله عن الاستقرار، بل بما تختاره حين يتعارض استقرار رأس المال مع بقاء الناس. وفي الحالة الفلسطينية، يطرح موقف سلطة النقد من قروض المواطنين في قطاع غزة سؤالًا مؤلمًا: هل تعمل المؤسسة النقدية بوصفها سلطة عامة مسؤولة عن حماية التوازن بين المصارف والمواطنين، أم بوصفها حارسًا لاستمرارية التدفقات المالية وربحية القطاع المصرفي، حتى فوق أنقاض المجتمع؟

ليست الأزمة في وجود خبرات مصرفية ومالية داخل مؤسسة نقدية. فالخبرة مطلوبة، بل ضرورية. لكن الأزمة تبدأ حين تتحول هذه الخبرة إلى هيمنة بنيوية داخل دوائر القرار، وحين تصبح العلاقات السابقة أو الحالية أو المتوقعة مع البنوك، وشركات الاستثمار، والتأمين، والاستشارات، جزءًا من البيئة التي تُصاغ فيها السياسات. عندها لا يعود السؤال: هل يوجد فساد مباشر؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل أصبحت المؤسسة الرقابية تفكر بعقل القطاع الذي يفترض أن تنظمه؟

هذا ما تسميه أدبيات الحوكمة والاقتصاد السياسي الالتقاط التنظيمي؛ أي أن الجهة الرقابية قد تتبنى، تدريجيًا وبلا إعلان، مصالح ومنطق القطاع الخاضع لرقابتها. وقد يحدث ذلك دون رشوة، ودون مخالفة قانونية صريحة، ودون نية معلنة. يكفي أن تأتي الخبرات والشبكات واللغة المهنية والتصورات الاقتصادية من الحقل نفسه: حقل البنوك ورأس المال المالي. عندها تصبح “المصلحة العامة” مرشحة لأن تُقرأ من زاوية استقرار ميزانيات البنوك، لا من زاوية بقاء المواطنين واستقرار المجتمع.

ومن هنا، فإن مفهوم تضارب المصالح لا ينبغي أن يُفهم بمعناه الضيق فقط: شخص يملك سهمًا أو يتلقى منفعة مباشرة. في الأنظمة الحديثة، تضارب المصالح يشمل أيضًا التضارب المحتمل، والتضارب الظاهر، وتضارب الولاء، والباب الدوّار بين المنظِّم والقطاع المنظَّم. فالمشكلة ليست فقط أن يكون المسؤول مرتبطًا بمصرف أثناء وجوده في المنصب، بل أن يكون قد جاء من هذا الحقل، أو يحتفظ بشبكات علاقة معه، أو يتوقع العودة إليه لاحقًا، أو يفكر بمنطقه ويقيس العالم بمقاييسه.

هنا تصبح القواعد القانونية الشكلية غير كافية. فالنصوص التي تمنع العمل المصرفي المباشر أثناء العضوية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لمنع الانحياز المؤسسي. المطلوب في أي نظام نقدي رشيد هو منظومة أوسع: إفصاح علني عن المصالح، إعلان العضويات السابقة والحالية، كشف الاستشارات والعلاقات المهنية، تنظيم الملكيات والمصالح العائلية، فرض فترات تهدئة بعد مغادرة المنصب، والتنحي عن أي قرار يمس مؤسسات كانت للعضو أو للمسؤول علاقة بها. فحوكمة البنوك المركزية لا تُبنى على الثقة الشخصية وحدها، بل على منع الشبهة قبل وقوع الضرر.

في هذا الإطار، تبدو سلطة النقد الفلسطينية وكأنها ترى بعين واحدة: عين تحسب خسائر البنوك المفترضة، لكنها لا ترى خسائر المواطن الحقيقية. ترى محفظة القروض، ولا ترى البيت الذي مُسح. ترى توقف التحصيل، ولا ترى الدخل الذي اختفى. ترى أرقام المصارف، ولا ترى الأصل الذي مُنح القرض على أساسه وقد دُمّر. ترى “الاستقرار المالي” من زاوية الدائن، لا من زاوية المجتمع المنهك.

ويبلغ هذا الانحياز ذروته في ملف قروض مواطني غزة. فالمواطن الغزّي لم يمر بأزمة سيولة عادية، ولا بتعثر فردي في السداد، ولا بانخفاض مؤقت في الدخل. ما حدث هو كارثة وطنية شاملة: تدمير واسع للبيوت، انهيار الأعمال، ضياع الأصول، انقطاع الدخول، تضاعف تكاليف المعيشة، وفقدان القدرة الواقعية على التخطيط للحياة. ومع ذلك، يُطلب من المواطن أن يعود إلى السداد، لا لأصل القرض فقط، بل أيضًا للفوائد والأرباح، وكأن العقد وُقّع في عالم ما زال قائمًا.

هذه ليست مسألة محاسبية، بل مسألة عدالة. فالقرض يقوم أصلًا على افتراضات: دخل، أصل، قدرة على العمل، بيئة اقتصادية، وضمانات مادية أو معنوية. فإذا انهارت هذه الافتراضات بفعل كارثة عامة، فلا يجوز التعامل مع العقد كأنه لم يتأثر. حماية حق الدائن كاملة، بما في ذلك الربح والفائدة، بينما تُترك خسارة المدين كاملة عليه، تعني أن المؤسسة العامة لا تعيد توزيع المخاطر بعدالة، بل تنقل الخسارة من رأس المال إلى المواطن.

من منظور الاقتصاد المؤسسي، هذه لحظة تكشف “قواعد اللعبة” الحقيقية. هل القاعدة أن البنوك شريكة في الاقتصاد وقت الربح، لكنها محصنة وقت الخسارة؟ هل المواطن هو وحده من يدفع ثمن الكارثة الوطنية؟ هل تتحول القروض التي مُنحت على بيوت ومشاريع وأعمال مدمرة إلى قيود تلاحق الناس في لقمة عيشهم؟ إذا كان الجواب العملي نعم، فنحن لسنا أمام سياسة نقدية محايدة، بل أمام انحياز مؤسسي لرأس المال.

الاستقرار المالي لا يعني حماية أرباح البنوك فوق أنقاض المواطنين. هذا فهم ضيق وخطر للاستقرار. فالاستقرار المالي الحقيقي في مجتمع منكوب يعني منع الانهيار الاجتماعي، منع كسر الثقة، حماية الحد الأدنى المعيشي، ومنع تحويل المصارف إلى طرف ظاهر في ملاحقة الناس على دخل لا يكفي للبقاء. حين يصبح المواطن مجرد “مخاطر ائتمانية”، وتصبح غزة مجرد “محفظة قروض”، تكون المؤسسة قد فقدت البوصلة العامة.

الأخطر أن هذا المسار قد يخلق شرخًا عميقًا داخل المجتمع الفلسطيني. فحين يرى المواطن أن العالم يتحدث عن الكارثة، وأن بيته دُمّر، وأن دخله تلاشى، وأنه لا تأمين يحميه، ولا تعويض يعينه، ولا حكومة تتحمل معه، ولا بنك يتنازل عن أرباحه، ثم تأتي المؤسسة النقدية لتعيد فتح ملف القسط والفائدة، فالمسألة لن تُقرأ كإجراء مالي. ستُقرأ كخذلان وطني، وكأن المواطن مطالب بأن يدفع ثمن صموده مرتين: مرة من بيته وحياته، ومرة من خبزه القليل لصالح أرباح البنوك.

المنطق العادل واضح. يجب وقف الخصومات فورًا عن مواطني غزة إلى حين انتهاء الكارثة واستعادة حد أدنى من الدخل والاستقرار. ويجب عزل وإلغاء كامل الفوائد والأرباح وغرامات التأخير عن فترة الحرب والتدمير والإغلاق. ويجب أن يكون أي نقاش لاحق، بعد عودة القدرة الفعلية على السداد، متعلقًا بأصل القرض فقط، وبشروط طويلة الأمد تراعي الواقع الإنساني والاقتصادي. كما يجب إلزام القطاع المصرفي بتحمل جزء من الخسارة الوطنية، لا باعتباره عملًا خيريًا، بل باعتباره مسؤولية مؤسسية لقطاع حقق أرباحًا من هذا المجتمع لسنوات.

كما يجب فتح ملف الحوكمة داخل سلطة النقد نفسها. المطلوب ليس اتهام الأشخاص، بل إصلاح البنية: سجل علني لتضارب المصالح، قواعد صارمة للإفصاح، منع الباب الدوّار، فترات تهدئة قبل الانتقال إلى البنوك أو المؤسسات المالية، وآليات تنحٍّ واضحة عند وجود أي علاقة سابقة أو حالية أو محتملة مع المؤسسات المتأثرة بالقرار. من دون ذلك، سيبقى كل قرار يمس البنوك والمواطنين محاطًا بشبهة الانحياز، حتى لو كان قانونيًا من حيث الشكل.

من أجل التاريخ، يجب التوقف.
من أجل الشرف المهني، يجب التوقف.
من أجل الوطنية، يجب التوقف.
من أجل سمعة النظام المالي الفلسطيني، يجب التوقف.
ومن أجل ألا يتحول القطاع المصرفي إلى رمز لتغوّل رأس المال على مجتمع منكوب، يجب وقف هذا المسار فورًا.

إن سلطة النقد مطالبة اليوم بأن تثبت أنها ليست عينًا واحدة ترى البنوك ولا ترى الناس. هي مطالبة بأن ترى المواطن كما ترى المصرف، وأن ترى الخراب كما ترى الميزانية، وأن ترى الخبز كما ترى القسط، وأن ترى العدالة كما ترى الاستقرار.

فالقرار العادل ليس معقدًا: وقف الخصومات، عزل كامل للأرباح والفوائد، إسقاط الغرامات، والاكتفاء بأصل القرض فقط بعد انتهاء الكارثة وعودة القدرة الفعلية على الدفع. وما دون ذلك سيبقى، مهما جُمّل بلغة الاستقرار المالي، تحميلًا للمواطن كلفة كارثة لم يصنعها، وحمايةً لرأس المال من خسارة كان يجب أن يشارك في تحملها.