وكالات/ الاقتصادية
لم تعد فكرة الانفكاك من الهيمنة النقدية للدولار الأميركي مجرد شعار سياسي فضفاض ترفعه الدول والكتل الاقتصادية المتضررة من العقوبات، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى تحركات استراتيجية ملموسة تعيد رسم خارطة النقد الدولي بصورة متسارعة. وتتقاطع هذه التحولات الهيكلية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والنزاعات الإقليمية، والتي كشفت بجلاء عن تراجع نسبي في قدرة واشنطن على عزل خصومها اقتصادياً بشكل كامل ومحكم. وقد فتح هذا التراجع الباب أمام قوى اقتصادية صاعدة، وفي مقدمتها الصين، لاستغلال الظروف الراهنة لتعزيز وبناء أنظمة دفع عالمية بديلة تتجاوز القنوات الأميركية التقليدية، وتؤسس لواقع مالي متعدد الأقطاب يتشكل خلف الكواليس.
تحول تاريخي في توجهات البنوك المركزية
في مؤشر غير مسبوق يعكس عمق التحول في النظام المالي المعاصر، كشف مسح حديث أجراه المنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية (OMFIF) عن تغير جذري في شهية وصناع القرار المالي تجاه العملة الخضراء. وأظهر الاستطلاع، الذي شمل مصارف مركزية تشرف على أصول ضخمة تقارب قيمتها الإجمالية عشرة تريليونات دولار، أن عدد البنوك التي تخطط لخفض حيازاتها من الدولار خلال العقد المقبل يتجاوز، وللمرة الأولى في التاريخ الحديث، عدد البنوك التي تسعى لزيادة حيازاتها منه. هذا التوجه المدفوع بزيادة المخاطر السياسية والجيوسياسية المرتبطة بالعملة الأميركية، يعكس قناعة متزايدة لدى نحو 79% من البنوك المركزية و60% من الصناديق العامة بأن النظام النقدي العالمي يمر بمرحلة انتقالية حتمية نحو عالم متعدد الأقطاب، مما يضع حدة الاحتكار الأميركي التقليدي للنقد تحت مجهر المراجعة وإعادة التقييم المستمرة.
تسييس العملة ومخاوف الديون الأميركية المتصاعدة
على نحو متصل، تسلط البيانات الصادرة عن استطلاعات مالية أخرى، مثل المسح الذي أجرته شركة "إنفيسكو" وصناديق الثروة السيادية، الضوء على مخاوف أعمق تتعلق بالبنية الداخلية للاقتصاد الأميركي نفسه وتأثيرها على الثقة الدولية. فقد عبرت 61% من البنوك المركزية المستطلعة آراؤها عن قلق بالغ من أن مستويات الدين العام الأميركي المتضخمة باتت تؤثر سلباً وبشكل مباشر على مكانة الدولار كأصل احتياطي آمن على المدى الطويل، وهي قفزة نوعية حادة مقارنة بنسبة 20% فقط سجلت قبل عامين.
وقد دفع هذا القلق المتنامي من تسييس الدولار واستخدامه كأداة ضغط وعقاب جيوسياسي، بصناديق سيادية وبنوك مركزية تدير ثروات مجتمعة تفوق تسعة وعشرين تريليون دولار إلى تحويل بوصلة استثماراتها من السندات التقليدية والدولار نحو أصول حقيقية وملموسة قادرة على الصمود، مثل مشاريع الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والذهب، وذلك لحماية ثرواتها الوطنية في ظل موجات الرسوم الجمركية، وإغلاق قنوات الشحن، والحروب المشتعلة في أوروبا والشرق الأوسط.
تجربة الالتفاف على العقوبات وبناء المنظومة الموازية
ولم تكن هذه الرغبة الجماعية في التنويع مجرد رد فعل نظري، بل جاءت مدفوعة بنماذج عملية أثبتت إمكانية الالتفاف على المنظومة المالية الغربية. وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، بول كروغمان، أن السياسات الخارجية المتشددة للإدارة الأميركية ساهمت بشكل مباشر في تآكل مصداقية الولايات المتحدة أمام العالم، وألحقت ضرراً بالغاً بسيادة الدولار التي طالما اعتبرت الأداة الأبرز والأقوى في ترسانة النمور المالية الأميركية. ويشير كروغمان إلى أن العقوبات والحروب الاقتصادية أثبتت للدول الأخرى قدرتها الفائقة على تجاوز نظام المدفوعات العالمي المتمركز حول الدولار، حيث تمكنت أطراف دولية مثل طهران من تحييد العقوبات عبر الاعتماد على اليوان الصيني والعملات المشفرة لتسوية مدفوعات النفط وتجارتها مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، مما مهد الطريق لنشوء واعتماد أنظمة دفع بديلة تسارعت وتيرة نموها بشكل لافت بفضل الغطاء والمظلة الاقتصادية التي توفرها بكين.
الملاذات البديلة وبطء التخلي التلقائي
ورغم هذه الرغبة المتنامية والحراك النشط لتوسيع سلة الاحتياطيات، فإن غياب البديل المباشر والكامل للدولار يظل العامل الأساسي الذي يبطئ من وتيرة هذا التحول ويجعله عملية تدريجية طويلة الأمد وليست قفزة مفاجئة. وقد تجلى ذلك في مكاسب الدولار التي حققها مؤخراً مستفيداً من الارتفاع القوي في أسعار الفائدة الأميركية، والإقبال المستمر على الأصول الأميركية كملجأ آمن تقليدي في أوقات الاضطرابات الكبرى.
ومع ذلك، تسعى المصارف المركزية بذكاء لتوزيع المخاطر عبر زيادة حصص عملات أخرى كالكرونة النرويجية، والدولار النيوزيلندي، والجنيه الإسترليني، واليورو، في حين عاد الذهب ليتصدر استراتيجيات إدارة الاحتياطيات السيادية كأداة دفاعية أولى بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية، حيث باتت الغالبية العظمى من البنوك المركزية تحتفظ به وتعتبره قلب استراتيجيتها الاستثمارية للمستقبل.
عقبات الهيكلة وصمود العرش الأخضر أمام العواصف
في المقابل، تؤكد التحليلات والبيانات الاقتصادية الرصينة أن إنهاء سيطرة العملة الأميركية ليس أمراً حتمياً أو قريباً بالنظر إلى الأرقام الفعلية السائدة في الأسواق المالية. وتوضح الباحثة الاقتصادية كاثرين شينك أن الدور الدولي لأي عملة يظل مقاساً بحصتها الفعلية في الاحتياطيات العالمية المسجلة، حيث لا يزال الدولار يستحوذ على حصة تقترب من ستين بالمائة، وهي نسبة بقيت صامدة وثابتة على مدى العقود الثلاثة الماضية دون تراجع حاد.
وتكشف المؤشرات أن متوسط المعاملات اليومية في أسواق الصرف الأجنبي يبلغ قرابة تسعة تريليونات ونصف تريليون دولار، يستأثر الدولار بنحو تسعين بالمائة منها، في حين لا تتجاوز حصة اليوان الصيني في المدفوعات العابرة للحدود حاجز الثلاثة بالمائة رغم الضخامة التجارية الهائلة التي تتمتع بها الصين عالمياً. وبناءً على هذه المعطيات الهيكلية المعقدة، فإن رحلة التراجع التدريجي للدولار، وإن كانت قد بدأت تأخذ طابعاً جاداً ومنظماً، ستظل محكومة بمدى قدرة القوى الإقليمية والعالمية على تحقيق تنسيق مكثف طويل الأجل وتطوير بدائل عملية وبنى تحتية مالية قادرة على نيل الثقة الدولية الكاملة.

