اليوم السبت ١١ يوليو ٢٠٢٦م

الفيتو المالي القطري.. يعيد رسم الخطوط الحمراء في قلب ألمانيا

اليوم, ١٠:٠٦:٤٧ ص
علاء أبو عامر

بقلم:د. علاء أبوعامر

شهدت الأروقة الاقتصادية والسياسية في ألمانيا هزة عنيفة مؤخراً، بعد أن تحولت الاستثمارات العربية في كبرى الشركات الأوروبية من مجرد أدوات تجارية ومصادر لضخ السيولة، إلى سلاح سياسي مباشر وقادر على فرض معادلات جديدة في السياسة الالمانية. وجاء الإعلان عن استخدام جهاز قطر للاستثمار لنفوذه المالي لإجهاض صفقات استراتيجية مع الكيان الصهيوني، ليعيد صياغة مفهوم النفوذ المالي كأداة ردع فاعلة في العلاقات الدولية.

بدأت الملامح العملية لهذا التحول تظهر بوضوح في عملاق صناعة السيارات الألماني فولكس فاجن، التي تعيش واحدة من أعمق أزماتها المالية الهيكلية التي تهدد بإغلاق مصانع مدنية وتسريح آلاف العمال. ولإنقاذ الموقف الاقتصادي، حاولت إدارة الشركة إبرام اتفاق سري مع شركة الصناعات العسكرية "الإسرائيلية" رافائيل، يقضي بتحويل خطوط إنتاج مصنع أوسنابروك المتعثر لإنتاج مكونات حيوية، وشاحنات، ومولدات طاقة مخصصة لتشغيل منظومة القبة الحديدية.

لكن الحسابات الألمانية قوبلت بحقيقة هيكلية حاسمة، إذ تعد دولة قطر ثالث أكبر مساهم في فولكس فاجن بحصة تصويتية تبلغ سبعة عشر بالمئة ومقاعد في مجلس الإدارة. استخدمت الدوحة هذا الثقل لفرض فيتو مالي قاطع، يحظر استخدام الأصول والشركات التي تساهم فيها لدعم سلاسل الإمداد العسكرية للاحتلال. ورغم الصراخ الإعلامي اليميني في ألمانيا الذي حاول ابتزاز الموقف بملف الوظائف المهددة، إلا أن الإدارة الألمانية والشركة اضطرتا للقبول بواقع المصالح المالية القاسية والتراجع عن الصفقة.

ولم يتوقف هذا الحظر عند حدود مصانع السيارات، بل امتدت أصداؤه سريعاً إلى البحار وخطوط الشحن العالمية. فقد قوبلت خطة الاستحواذ المقترحة من قبل عملاق الشحن الألماني هاباج لويد على شركة الشحن "الإسرائيلية" زيم بقيمة أربعة مليارات ومئتي مليون دولار بصدمة في الداخل الصهيوني.

المفارقة هنا أن الكيان نفسه، بقيادة نتنياهو ووزارة حربه، هي من سارعت لإعلان معارضتها الشديدة للصفقة، وذلك لإدراكها أن صندوق الثروة السيادي القطري يمتلك حصة رئيسية تبلغ اثني عشر فاصل ثلاثة بالمئة في هاباج لويد إلى جانب حصص سعودية. وخشيت تل أبيب من أن يضع هذا الاستحواذ شريانها البحري الاستراتيجي تحت رحمة مستثمرين خليجيين يملكون قوة الفيتو والتوجيه، مما دفع وزارة حرب العدو للتهديد باستخدام السهم الذهبي لإبطال الصفقة لحماية "أمنها القومي"، خشية تكرار سيناريو فولكس فاجن.

تثبت هذه التطورات المتلاحقة أن القوة العسكرية والتحالفات السياسية التقليدية لم تعد وحدها الكفيلة بتأمين مصالح الدول أو سلاسل إمدادها في أوقات الأزمات. إن نجاح الاستثمارات العربية السيادية في فرض خطوط حمراء داخل كبرى القلاع الصناعية في أوروبا يعد نموذجاً عملياً لتحول النفوذ الاقتصادي إلى قوة ناعمة وخشنة في آن واحد، قادرة على حظر صفقات التسليح والدعم اللوجستي. ولم تعد الهيمنة الغربية على القرار التجاري مطلقة، بل أصبحت مقيدة بحصص الأسهم، وحقوق التصويت، والواقعية السياسية التي تجبر العواصم الكبرى على الموازنة بين تحالفاتها العسكرية ومصالحها الاقتصادية الوجودية. السؤال هل ستحذو دول عربية أخرى حذو قطر ؟ باعتقادي السعودية بإمكانها فعل ذلك أيضا أما الأمارات فسياستها  على العكس تماما.