غزة/ الاقتصادية
يشهد قطاع غزة أزمة حادة في توفر مستلزمات إنتاج أساسية، ما أدى إلى تعطّل عشرات المهن والحرف وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل استمرار انقطاع سلاسل التوريد واختفاء مواد خام ضرورية من الأسواق.
وبحسب عاملين في قطاعات مهنية مختلفة، لم تعد المشكلة مقتصرة على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى غياب أدوات بسيطة كانت تُعدّ منخفضة الثمن ومتوفرة بشكل يومي، مثل أسياخ اللحام، والبراغي، وحجر قص الحديد، وزيت السيارات، وكيس الإسمنت، ما أدى إلى توقف العديد من الورش عن العمل لفترات طويلة أو اللجوء إلى بدائل مكلفة وغير عملية.
وقال الحداد علي أبو ريالة إن توفير أبسط مستلزمات العمل بات يشكل تحدياً يومياً، مشيراً إلى أن سعر سيخ اللحام ارتفع من أجزاء من الشيكل قبل الحرب إلى نحو 30 شيكلاً حالياً، مع صعوبة في الحصول عليه. وأضاف أن ارتفاع تكلفة الكهرباء وأدوات العمل الأساسية يدفعه أحياناً إلى إغلاق ورشته لأسابيع.
وفي السياق ذاته، أكد عامل السباكة سعد حسنين أن نقص الأدوات الأساسية، بما في ذلك البراغي، أجبر العاملين على البحث بين أنقاض المباني المدمرة عن مواد قابلة لإعادة الاستخدام، لافتاً إلى أن غياب مستلزمات بسيطة يؤدي إلى تعطيل تنفيذ أعمال كاملة. وأوضح أن نقص المنتجات الجاهزة دفع إلى استخدام بدائل غير مطابقة للمواصفات، ما يرفع التكاليف ويؤثر على جودة العمل.
من جهتها، أوضحت المختصة في الشأن الاقتصادي سمر هارون أن الأسواق في غزة تعاني من اختلال واضح في توازن العرض والطلب، يتمثل في اختفاء سلع أساسية للإنتاج مقابل توفر سلع أخرى بكميات تفوق الحاجة. وأشارت إلى أن الكميات المحدودة من البضائع الداخلة إلى القطاع، والتي تقدر بنحو 200 شاحنة يومياً في أفضل الأحوال، تتركز في المساعدات والسلع الاستهلاكية، بينما تغيب المواد الخام.
وأضافت أن هذا الواقع يعمّق حالة الركود الاقتصادي ويؤدي إلى تعطيل دورة الإنتاج، حيث تتحول الأسواق إلى ما يشبه "اقتصاد البقاء"، مع التركيز على تأمين الاحتياجات الأساسية بدلاً من دعم الأنشطة الإنتاجية.
وأكدت في تصريح لصحيفة "العربي الجديد" أن نقص المستلزمات الصغيرة لا يؤثر فقط على الحرفيين، بل يمتد إلى مختلف القطاعات، إذ يؤدي تعطّل ورش الحدادة والسباكة والنجارة إلى تأخير أعمال البناء والصيانة والنقل والخدمات المرتبطة بها، ما ينعكس على مجمل النشاط الاقتصادي.
كما أدى شح المواد الخام إلى تنامي سوق المواد المستعملة وزيادة الاعتماد على استخراج الأدوات من المباني المدمرة، في وقت تتراجع فيه جودة المنتجات نتيجة استخدام بدائل غير مناسبة.
ويرى اقتصاديون أن استمرار هذا النقص يحدّ من قدرة القطاع الخاص على استئناف نشاطه حتى في حال تحسن الظروف، مؤكدين أن إعادة تشغيل الاقتصاد تبدأ بتوفير مستلزمات إنتاج بسيطة تشكل أساس العمل اليومي، وليس فقط بإدخال المعدات الثقيلة.
وحذر مختصون من أن استمرار غياب هذه السلع سيؤدي إلى مزيد من ارتفاع كلفة الخدمات على المواطنين، نتيجة انتقال زيادة أسعار المواد الأولية مباشرة إلى أعمال الصيانة والبناء والنقل، ما يفاقم الأعباء المعيشية في القطاع.

