اليوم الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦م

التوسع في المطاعم والمقاهي.. هل هو بداية تعافي السياحة بغزة أم مؤشراً على اختلال اقتصادي؟

أمس, ٩:١٨:١٦ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

شهد قطاع غزة خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، توسعاً لافتاً في افتتاح المطاعم والمقاهي وصالات الأفراح واستوديوهات تصوير المناسبات. هذا الانتشار الكثيف يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام بوادر تعافٍ حقيقي للقطاع السياحي والخدمي، أم أمام استجابة اضطرارية لواقع اقتصادي يعاني اختلالات عميقة؟

وفي هذا السياق قال الباحث الاقتصادي أنور عطالله إنه لا شك أن ازدهار هذه الأنشطة يعكس وجود طلب مرتفع، فالمواطن الغزّي الذي أنهكته الحرب يبحث عن متنفس نفسي واجتماعي يعيد إليه شيئاً من الحياة الطبيعية، كما أن المؤسسات والمبادرات المختلفة أصبحت تعتمد على هذه الأماكن لاستضافة فعالياتها وأنشطتها. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها إحدى إشارات التعافي الاجتماعي والاقتصادي، إذ إن عودة الحركة إلى المقاهي والمطاعم وصالات الأفراح تعني أن المجتمع لا يزال يمتلك إرادة الحياة وقدرة على التكيّف مع الظروف القاسية.

وأضاف عطالله إلا أن الصورة الكاملة تبدو أكثر تعقيداً. فالتعافي الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس بنشاط قطاع واحد، بل بقدرة مختلف القطاعات على العمل بصورة متوازنة ومتكاملة. وفي الوقت الذي يشهد فيه القطاع الخدمي المرتبط بالمطاعم والمقاهي نمواً ملحوظاً، لا تزال قطاعات حيوية أخرى تعاني حالة من الجمود، وعلى رأسها الزراعة والصناعة والإنشاءات، إضافة إلى التحديات التي تواجه قطاع التوزيع والخدمات المالية والمصرفية. وهذا التفاوت يثير مخاوف من نشوء خلل هيكلي يجعل الاقتصاد أكثر اعتماداً على الأنشطة الاستهلاكية قصيرة الأجل، في مقابل تراجع القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.

وأكد عطالله على أن القطاع السياحي والخدمي يواجه تحديات كبيرة قد تحدّ من قدرته على الاستمرار؛ فأسعار المواد الخام تشهد تقلبات حادة، وسلاسل التوريد تعاني اضطراباً مستمراً، كما أن الحصول على مستلزمات التشغيل الأساسية، وفي مقدمتها غاز الطهي الذي تعتمد عليه المطاعم بشكل شبه كامل، ما زال يواجه صعوبات كبيرة، فضلاً عن تحديات التخزين والحفاظ على جودة المواد الغذائية. لذلك فإن النشاط الحالي، على الرغم من أهميته، يبقى معرضاً لمخاطر مرتفعة في بيئة اقتصادية غير مستقرة.

وأشار إلى أن المخاوف تزداد مع اعتماد جزء كبير من الدورة الاقتصادية الراهنة على أموال المساعدات والتبرعات، في وقت لم تستعد فيه القطاعات الإنتاجية قدرتها الطبيعية على توليد الدخل والتشغيل. فحين يرتفع الطلب الاستهلاكي بينما تظل القاعدة الإنتاجية ضعيفة، يصبح مستقبل هذا الانتعاش مرهوناً بعوامل خارجية وظروف قد تتغير في أي لحظة.

لذلك، يمكن القول إن ما نشهده اليوم هو مزيج من التعافي والتشوّه في آن واحد؛ فهو تعافٍ اجتماعي وخدمي يعكس قدرة المجتمع على استعادة بعض مظاهر الحياة، لكنه قد يتحول إلى اختلال اقتصادي إذا لم يترافق مع إعادة بناء الزراعة والصناعة والإنشاءات والبنية التحتية المالية والخدمية، بما يضمن تنوع مصادر الدخل واستدامة النمو.

واختتم عطالله حديثه بالقول:" مع ذلك، يبقى الأمل قائماً بأن يكون هذا الحراك بداية لمرحلة أوسع من إعادة الإعمار والتعافي الشامل، لا مجرد انتعاش مؤقت لقطاع واحد. وكل التمنيات بالنجاح للعاملين في قطاع السياحة والخدمات، وبالنهوض السريع ببقية القطاعات الاقتصادية، وعودة الحياة الكريمة والآمنة إلى أهل غزة، فهم شعب يستحق دائماً مستقبلاً أفضل وأكثر استقراراً".