اليوم الأحد ١٩ يوليو ٢٠٢٦م

التحول الديموغرافي في قطاع غزة بين عامي 2023 و2026: قراءة في الأرقام والدلالات

أمس, ٩:٥٩:٢٢ ص
أرشيفية

بقلم: محمود محمد القشاش- باحث اقتصادي

شهد قطاع غزة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2026 تحولًا ديموغرافيًا غير مسبوق، فرضته ظروف الحرب والنزوح الواسع والدمار الذي طال معظم محافظات القطاع. ولم يقتصر هذا التحول على انخفاض إجمالي عدد السكان، بل شمل إعادة توزيع الكتلة السكانية بصورة جذرية، الأمر الذي ستكون له انعكاسات طويلة الأمد على الاقتصاد، والخدمات العامة، وإعادة الإعمار، والتخطيط العمراني.

وبحسب البيانات المتاحة، بلغ عدد سكان قطاع غزة عام 2023 نحو 2,360,220 نسمة، بينما تشير التقديرات الأممية الحالية إلى نحو 2,136,276 نسمة، أي بانخفاض يقارب 223,944 نسمة، وهو ما يمثل تراجعًا بنحو 9.5% خلال أقل من ثلاث سنوات.

ويكشف توزيع السكان على المحافظات حجم التحول الذي شهدته الخريطة الديموغرافية. فقد انخفض عدد سكان محافظة شمال غزة من 388,977 نسمة إلى 118,600 نسمة، أي بخسارة بلغت نحو 70% من سكانها، وهو أكبر انخفاض نسبي بعد محافظة رفح. كما تراجع عدد سكان محافظة غزة من 893,923 نسمة إلى 673,829 نسمة، بانخفاض تجاوز 220 ألف نسمة.

في المقابل، شهدت محافظتا دير البلح وخان يونس زيادة سكانية كبيرة نتيجة حركة النزوح الداخلي. فقد ارتفع عدد سكان دير البلح من 313,945 نسمة إلى 617,200 نسمة، أي ما يقارب الضعف، بينما ارتفع عدد سكان خان يونس من 436,744 نسمة إلى 715,147 نسمة، لتصبح المحافظة الأكبر سكانًا في قطاع غزة لأول مرة منذ سنوات طويلة.

أما محافظة رفح، فقد شهدت التغير الأكثر دراماتيكية، إذ انخفض عدد سكانها من 296,661 نسمة إلى نحو 11,500 نسمة فقط، وهو ما يعكس حجم الإخلاءات والعمليات العسكرية التي تعرضت لها المحافظة.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد انتقال للسكان من منطقة إلى أخرى، بل تشير إلى تغير جذري في مركز الثقل السكاني داخل القطاع. ففي عام 2023 كانت محافظة غزة تستحوذ على ما يقارب 38% من سكان القطاع، بينما أصبحت في عام 2026 تمثل نحو 31.5% فقط، في حين ارتفعت حصة خان يونس إلى أكثر من 33%، ودير البلح إلى نحو 29%، بينما تراجعت حصة شمال غزة إلى أقل من 6%، ورفح إلى أقل من 1%.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذا التحول يفرض واقعًا جديدًا على عملية التخطيط وإعادة الإعمار. فالطلب على المياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والخدمات البلدية أصبح متركزًا بصورة كبيرة في المحافظات الوسطى والجنوبية، بينما تعاني المحافظات الشمالية من انخفاض حاد في عدد السكان نتيجة الدمار الواسع وصعوبة العودة.

كما أن إعادة توزيع السكان ستؤثر بصورة مباشرة على توزيع الاستثمارات المستقبلية، وشبكات الطرق، والمرافق العامة، والأسواق، وفرص العمل، وهو ما يتطلب إعادة النظر في الخطط التنموية التي كانت قائمة قبل الحرب، لأن الخريطة السكانية التي بُنيت عليها تلك الخطط لم تعد تعكس الواقع الحالي.

ومن المتوقع كذلك أن تزداد الضغوط على البنية التحتية في دير البلح وخان يونس، نتيجة تضاعف أعداد السكان خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي يستدعي استثمارات كبيرة في قطاعات الإسكان، والصحة، والتعليم، والصرف الصحي، والمياه، والنقل، حتى تتمكن هذه المحافظات من استيعاب هذا النمو السكاني الكبير.

وعلى المستوى الاجتماعي، فإن استمرار هذا التوزيع السكاني لفترة طويلة قد يؤدي إلى نشوء أنماط عمرانية جديدة، وتغير في مراكز النشاط الاقتصادي والتجاري، وربما إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية بين المحافظات، بما يجعل هذه التغيرات تتجاوز آثار الحرب الآنية لتصبح جزءًا من الواقع الديموغرافي المستقبلي لقطاع غزة.

إن ما شهده قطاع غزة بين عامي 2023 و2026 لا يمكن اعتباره تغيرًا سكانيًا طبيعيًا، بل يمثل أكبر تحول ديموغرافي داخلي في تاريخ القطاع الحديث. فقد انتقل مركز الثقل السكاني من مدينة غزة وشمال القطاع إلى المحافظات الوسطى والجنوبية، بالتزامن مع انخفاض إجمالي عدد السكان وتغير أولويات التنمية والإعمار.

ومن هنا، فإن أي رؤية لإعادة إعمار قطاع غزة أو وضع سياسات اقتصادية وتنموية مستقبلية يجب أن تنطلق من هذه الخريطة الديموغرافية الجديدة، لأنها أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد احتياجات السكان، وتوزيع الموارد، ورسم مستقبل التنمية في القطاع خلال السنوات القادمة.