بقلم/ ا.د. بسام أبو حشيش
ليست المشكلة في افتتاح مول أو مطعم أو كافيه. فغزة تحتاج إلى كل مشروع يخلق فرصة عمل، ويعيد شيئًا من الحركة إلى اقتصاد أنهكته الحرب. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول افتتاح مشروع تجاري إلى مهرجان استعراضي في مدينة ما زال أهلها ينتظرون رغيف الخبز، ويبحثون عن الماء، ويعيشون تحت الخيام وبين الركام.
إن البهرجة التي ترافق افتتاح بعض المشاريع ليست حدثًا اقتصاديًا بريئًا، بل تعبير عن صعود ثقافة استهلاكية منفصلة عن الواقع الاجتماعي. إنها محاولة لإقناع الناس بأن الحياة عادت إلى طبيعتها، بينما الحقيقة أن آلاف العائلات لم تعد حتى إلى بيوتها، وأن البطالة والفقر والجوع أصبحت القاعدة لا الاستثناء.
المشهد يبدو وكأنه انقسام داخل غزة نفسها: غزة الخيام، وغزة المولات. غزة طوابير المساعدات، وغزة حفلات الافتتاح. غزة التي تقاتل من أجل البقاء، وغزة التي تتنافس على عدد المؤثرين والكاميرات والإعلانات. وهذا ليس مجرد تناقض بصري، بل تعبير عن خلل عميق في ترتيب الأولويات.
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس افتتاح المشاريع، بل تحويل المأساة إلى سوق، وتحويل الألم الجماعي إلى خلفية لحملات دعائية تصنع صورة زائفة عن "عودة الحياة". إنها محاولة لإخفاء الفقر خلف الأضواء، وإخفاء الخيمة خلف واجهات الزجاج.
ما نحتاجه في غزة هو اقتصاد ليس أرقام مبيعات، بل علاقة اجتماعية يجيب على أسئلة مثل ماذا أضافت هذه المشاريع للمجتمع؟ هل وفرت فرص عمل عادلة؟ هل احترمت كرامة الناس؟ هل ساهمت في تخفيف آثار الكارثة؟ أم اكتفت بتحويل المأساة إلى فرصة تسويقية؟
المؤلم أن ثقافة الاستعراض تتسلل إلى مجتمع يفترض أن تكون قيم التضامن فيه أعلى من قيم الاستهلاك. يصبح التصفيق لافتتاح كافيه حدثًا جماهيريًا، بينما يمر خبر أسرة فقدت خيمتها أو طفل مات بسبب الجوع مرور الكرام. هنا لا تتغير الأسواق فقط، بل يتغير الوعي نفسه.
إن غزة اليوم لا تحتاج إلى منافسة حول من يملك أكبر مول أو أفخم مطعم، بل إلى منافسة حول من يقدم أكبر خدمة للمجتمع، ومن يخلق فرص العمل، ومن يساهم في إعادة بناء المدارس والمستشفيات والبيوت. فالمجتمع الذي يعيش كارثة إنسانية لا يقاس تقدمه بعدد المقاهي الجديدة، بل بقدرته على حماية أضعف فئاته.
التاريخ يعلمنا أن المجتمعات الخارجة من الكوارث لا تنهض بثقافة الاستعراض، بل بثقافة العدالة. ولا يعاد بناء غزة بالكاميرات والبالونات والأغاني، وإنما بإعادة الاعتبار للإنسان، ولحقه في السكن والعمل والتعليم والصحة والكرامة. أما الاحتفال الحقيقي، فلن يكون بافتتاح مول جديد، بل يوم تُطوى آخر خيمة، ويعود آخر نازح، ويصبح العيش الكريم حقًا للجميع، لا امتيازًا لقلة.

