اليوم الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦م

الحرب على غزة دمرت خريطة الأراضي الزراعية

اليوم, ٩:١٢:٣٥ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

اختفت ملامح آلاف الدونمات الزراعية في قطاع غزة خلال أشهر الحرب، بعدما طاولها التجريف والحرق والضم ضمن المناطق الصفراء التي تسيطر عليها إسرائيل، لتفقد الأسواق المحلية أحد أهم مصادر إمدادها بالخضراوات ويجد آلاف المزارعين أنفسهم بعيدين عن أراضيهم ومصادر رزقهم.

ورغم هذا الواقع، تتواصل محاولات محدودة لإعادة الزراعة في الأراضي الواقعة داخل المناطق المأهولة، بهدف توفير جزء من احتياجات السوق المحلي، إلا أن نقص مستلزمات الإنتاج وارتفاع تكاليفها يحدان من قدرة المزارعين على توسيع رقعة الأراضي المزروعة.

ويحذر مختصون من أن استمرار تدمير الأراضي الزراعية ومنع إعادة تأهيلها يفاقم أزمة الأمن الغذائي ويهدد مستقبل الزراعة في قطاع غزة، بعدما كانت تحقق قبل الحرب مستويات مرتفعة من الاكتفاء الذاتي وتوفر آلاف فرص العمل، لتتحول اليوم إلى قطاع يواجه خطر الانهيار الكامل.

وأعلنت وزارة الزراعة أنّ خسائر القطاع الزراعي جراء الحرب الإسرائيلية المدمرة التي بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تقارب 3 مليارات دولار، نصفها تقريباً أضرار مباشرة. وقال المتحدث باسم وزارة الزراعة رأفت عسلية إنّ التقديرات مستندة إلى تحليل الصور الجوية عالية الدقة، ونظم المعلومات الجغرافية، وقواعد البيانات الزراعية الرسمية. ولفت إلى أنّ من الخسائر 1.49 مليار دولار مباشرة و1.59 مليار دولار خسائر غير مباشرة، مؤكداً أنّ الحرب سبَّبت أيضاً انهياراً شبه كامل لمنظومة الري الزراعي، بعد خروج 8 آلاف و700 بئر مياه زراعية عن الخدمة بالكامل.

يقول المزارع أحمد طافش، الذي كان يمتلك 13 دونماً من الأراضي الزراعية شرق حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، إن الحرب أنهت سنوات طويلة من العمل في الزراعة بعدما دمرت قوات الاحتلال الأراضي الزراعية في تلك المنطقة بالكامل منذ الأيام الأولى للعدوان.

ويوضح طافش لـ"العربي الجديد" أن المزارعين فقدوا مصدر رزقهم مع تدمير المزارع وتجريفها في وقت كانت تلك الأراضي تنتج مختلف أصناف الخضراوات التي تغذي الأسواق المحلية.

ويلفت إلى أن استهداف الأراضي الزراعية جاء ضمن سياسة ممنهجة استهدفت تدمير أحد أهم القطاعات الحيوية في غزة إلى جانب تشديد سياسة التجويع، خاصة بحق سكان شمال القطاع.

ويؤكد أن غالبية المزارعين لا يستطيعون حتى اليوم الوصول إلى أراضيهم الواقعة في المناطق الشرقية، ما يجعل إعادة استصلاحها أو العودة إلى الإنتاج أمراً شبه مستحيل في ظل استمرار سيطرة الاحتلال على تلك المناطق.

ويشير إلى أن القطاع كان قبل الحرب يحقق اكتفاءً ذاتياً في إنتاج الخضروات، وكانت المنتجات المحلية تغطي احتياجات السكان بأسعار مناسبة، بينما تختلف الصورة اليوم بصورة كبيرة.

في حين، يقول المزارع موسى عفانة، الذي استأجر أرضاً زراعية بمساحة ستة دونمات في منطقة البركة بمدينة دير البلح وسط القطاع، إنه يحاول إعادة الحياة إلى الأرض عبر زراعة الخيار والبندورة وطرح الإنتاج في السوق المحلي، رغم الظروف الصعبة التي تحيط بالقطاع الزراعي. ويؤكد أن هذه المحاولة تأتي بهدف توفير جزء من احتياجات الأسواق المحلية من الخضراوات في ظل التراجع الكبير في الإنتاج. ويلفت عفانة لـ"العربي الجديد" أن تكاليف الإنتاج ارتفعت بصورة غير مسبوقة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب في ظل صعوبة توفير البذور والأسمدة وخراطيم المياه، فضلاً عن الحاجة المستمرة لتوفير الوقود والزيوت اللازمة لتشغيل بئر المياه المستخدم في ريّ المزروعات. ويشير إلى أن هذه الأعباء تنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى بقاء أسعار الخضراوات مرتفعة رغم الجهود المبذولة لزيادة المعروض في الأسواق. ويلفت إلى أن الاحتلال يتعمد منع إدخال مستلزمات الإنتاج الزراعي التي تضمن نجاح الموسم الزراعي وخفض التكاليف، بما يشمل البذور والأسمدة والمواد الأساسية اللازمة لاستمرار الزراعة.

ووفق وزارة الزراعة، تعرضت البنية التحتية الزراعية لانهيار واسع بعد خروج 8700 بئر زراعية عن الخدمة وتضرر 3828 بركة مياه، إضافة إلى تدمير 1371 كيلومتراً من شبكات نقل المياه الزراعية، الأمر الذي جعل استئناف الإنتاج الزراعي مهمة بالغة الصعوبة وفاقم أزمة الأمن الغذائي في القطاع.

من جانبه، يقول مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة الزراعة، لؤي رجب، إن مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة تبلغ نحو 180 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة القطاع، وتتركز في المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية، وهي المناطق التي تخضع اليوم لسيطرة الاحتلال أو يصعب الوصول إليها. ويوضح رجب لـ"العربي الجديد" أن المساحة المزروعة حالياً لا تتجاوز 5% من إجمالي الأراضي الزراعية، بعدما تحولت منطقة المواصي، التي كانت آخر المناطق الزراعية المنتجة، إلى منطقة مكتظة تؤوي أكثر من مليون نازح.

ويضيف: "القطاع الزراعي كان قبل الحرب يشهد اكتفاءً ذاتياً في معظم أصناف الخضراوات، مثل البندورة والخيار والبطاطس والبصل والخضراوات الورقية، ولم يكن يكتفي بتغطية احتياجات السوق المحلية فحسب، بل كان يسوق منتجاته إلى الضفة الغربية ويصدر يومياً نحو 300 طن من الخضراوات، وهو ما كان يوفر للمزارعين دخلاً يومياً يقارب مليون شيكل، أما اليوم، فأصبح معظم سكان غزة يعتمدون على الخضراوات المستوردة مرتفعة الثمن في ظل غياب الإنتاج المحلي".

 

ويؤكد رجب أن التدمير ألحق أضراراً جسيمة بالقطاع الزراعي بأكمله ولم يوقف عند الأراضي الزراعية، إذ كان يعمل في الزراعة قبل الحرب نحو 55 ألف مواطن بينما يعيش معظمهم اليوم في خيام النزوح بعد فقدان أراضيهم ومصادر دخلهم.

من جهته، يذكر المختص في الشأن الاقتصادي سمير أبو مدللة أن القطاع الزراعي كان يشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد في قطاع غزة قبل الحرب، إذ بلغت قيمة الإنتاج الزراعي خلال عام 2022 نحو 575 مليون دولار، بما يزيد عن 11% من الناتج المحلي، فضلاً عن مساهمته في توفير آلاف فرص العمل.

ويقول أبو مدللة لـ"العربي الجديد" إن عمليات التجريف والحرق الواسعة أدت إلى انهيار الإنتاج الزراعي إلى أقل من 9% من مستواه السابق، في وقت كانت الزراعة تحقق قبل الحرب اكتفاءً ذاتياً بنسبة 115% من الخضراوات، مع وجود فائض مخصص للتصدير إلى الأسواق الخارجية، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى فجوة غذائية تجاوزت 90% نتيجة تراجع الإنتاج المحلي بصورة حادة، الأمر الذي انعكس على أسعار الخضراوات التي ارتفعت بشكل كبير، بعدما كانت من السلع الأساسية المتوفرة على موائد السكان.

ويؤكد أن الأضرار امتدت إلى حرق التربة وتغيير خصائصها الكيميائية والبيولوجية ما يجعلها غير صالحة للزراعة لفترات طويلة، مشيراً إلى أن خبراء الزراعة يقدرون حاجة التربة في قطاع غزة إلى ما لا يقل عن خمس سنوات للتعافي بعد عمليات الحرق وهو ما يشكل تحدياً كبيراً أمام استعادة النشاط الزراعي وإعادة المزارعين إلى أراضيهم في ظل احتلال الجيش الإسرائيلي لقرابة 70% من مساحة القطاع.