بقلم/ د. محمد سالم أبو يوسف- دكتوراة الفلسفة في المحاسبة
يتوهّم الكثيرون أن الفساد الإداري يقتصر على صورته التقليدية المتمثلة في «الرشوة المالية المباشرة»، إلا أن الواقع العملي يعكس صورةً أكثر تعقيداً؛ حيثُ يُعدّ استغلال النفوذ والسلطة وتوظيف شبكات العلاقات الشخصية الوجه الأشد خطورة والأنعم أثراً في تدمير مؤسسات القطاع العام.
وفي إطار التشريع الفلسطيني، فقد جاء قانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005 وتعديلاته ليرسخ مفهوماً شاملاً للفساد لا يقف عند حدود المعاملات المالية المباشرة، بل يمتد ليشمل كافة صور الانحراف الوظيفي وشغف المصلحة الشخصية.
ويُظهر التحليل القانوني لأحكام المنظومة الفلسطينية أن الجرائم القائمة على استغلال النفوذ تتخذ أشكالاً متسلسلة في خطورتها، أبرزها:
* المتاجرة بالنفوذ (Trading in Influence): استغلال الموظف العام لسلطته الفعلية أو المفترضة، أو علاقاته المباشرة برؤسائه وصنّاع القرار، بهدف نيل مزية أو خدمة أو قرار غير مستحق لصالح نفسه أو لصالح طرف آخر.
* الواسطة والمحسوبية (Nepotism & Cronyism): محاباة الأقارب أو المحاسيب في التعيينات، والترقيات، والعطاءات الحكومية والذي يُعد هذا السلوك مجرماً صراحةً في القانون الفلسطيني كونه يخرق مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة المضمون بالدستور (القانون الأساسي الفلسطيني).
* تضارب المصالح (Conflict of Interest): تقاطع المصلحة الشخصية للموظف (سواء كانت مادية أو معنوية) مع واجباته الوظيفية، كأن يشارك مسؤول في ترسية مناقصة أو منح ترخيص لشركة يمتلك فيها أسهماً أو ترتبطه بمالكها صلة قرابة.
* إساءة استخدام السلطة وتوظيف المعلومة الجوهرية: استعمال الصلاحيات القانونية لأغراض شخصية أو انتقامية، أو استغلال المعلومات السرية بحكم الوظيفية للحصول على مكاسب عقارية أو مالية قبل وصولها للعلن (الإثراء غير المشروع).
ولا تقف التداعيات الهيكلية لفساد العلاقات على المؤسسة العامة بل تتجاوزها للمحيط حيث لا تقف أضرار الفساد القائم على شبكات العلاقات والمحسوبية عند حدود المخالفة القانونية الفردية، بل تتعداها لتحدث تآكلاً بنيوياً في جسم الإدارة العامة.
فعلى صعيد التوظيف والترقيات، تؤدي الواسطة إلى تقديم أصحاب النفوذ والمحسوبية على حساب الكفاءات والخبرات الشابة، مما يفرغ الهيكل الإداري من طاقاته الحقيقية ويتسبب في تراجع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
أما على صعيد المال العام والمزايدات والمناقصات والبيع والشراء العام، فإن استغلال العلاقات المسربة للمعلومات السرية وتفصيل شروط العطاءات على مقاس شركات بعينها، يحرم خزينة الدولة من الحصول على أفضل الأسعار والجودات، ويضرب مبدأ المنافسة الشريفة في الصميم. وفي النهاية، تتجسد الخسارة الأكبر في تحول القرار الإداري من خدمة الصالح العام إلى تلبية المصلحة الفئوية والضيقة، مما يزعزع ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
وفيما يلي مجموعة من التوجيهات والأطر التنفيذية لمكافحة الفساد في القطاع العام:
لمواجهة هذه الأشكال غير المباشرة للفساد يمكن تبني استراتيجية متعددة المحاور ترتكز على الوقاية، والإنفاذ، والشفافية من خلال تطبيق ما يلي:
* إقرار الذمة المالية: إلزام كبار الموظفين والمسؤولين بتعبئة إقرارات ذمة مالية دورية، لكشف أي زيادة غير مبررة في الثروة أو استخدام غير مشروع للنفوذ (الإثراء غير المشروع).
* تطبيق نظام إدارة وتجنب تضارب المصالح: إجبار الموظف على الإفصاح المباشر والامتناع عن اتخاذ القرار في أي معاملة أو ملف يتضمن مصلحة شخصية أو عائلية.
* تفعيل نظام حماية المبلغين والشهود: توفير الحماية القانونية والإدارية والأمنية للموظفين والمواطنين الذين يبلغون عن قضايا الواسطة والمحسوبية، لكسر حاجز الخوف من الانتقام الإداري.
* تعزيز مدونات السلوك الأخلاقي: إرساء قواعد صارمة تتعلق بالهدايا، والمواظبة على قواعد النزاهة والشفافية في تقديم الخدمات العامة.
وختاما فإن مواجهة الفساد القائم على النفوذ والعلاقات تتطلب الانتقال من الرقابة التقليدية إلى بيئة تنظيمية تعزز المساءلة، الشفافية، وتكافؤ الفرص.
ولا يبدأ صون المال العام من حماية خزينة الدولة من السرقة المباشرة فحسب، بل يبدأ أساساً من منع استغلال الوظيفة العامة كأداة للمكاسب الشخصية والعائلية.

