غزة/الاقتصادية
يقول عبد الرحمن عاشور، صاحب شركة عاشور لبيع المواد الصحية ومستلزمات البناء، إن عدم توافر بعض الأصناف يوقف أعمالًا كاملة، "لأننا لا نجد لها البديل الملائم".
ويضيف عاشور لـ"الترا فلسطين": "الحرب ضاعفت أسعار السلع الصغيرة بنسب تجاوزت في بعضها عشرة أو سبعة أضعاف، هذا في حال توفرت أصلًا، مما يؤثر بشدة على عمال المهن اليومية وأرباب الحرف المرتبطة ببعضها، كالنجارة والحدادة وفنيي السيارات وغيرهم".
ويتابع عاشور: "قبل الحرب كانت تباع كرتونة البراغي المتوسطة بثلاثين شيكلًا، أما اليوم فتصل أسعارها إلى 1450 شيكلًا، وهي نادرة. أما المسامير ذات المقاييس الأكثر استخدامًا، فقد كان سعر الكيلو الواحد منها قبل الحرب 4 شواكل، أما اليوم فيصل إلى 55 شيكلًا، عدا عن الرزّات ذات الأحجام الصغيرة التي تستخدم لصنع أبواب الخيام؛ كانت تباع الواحدة منها بشيكل، أما اليوم فتتجاوز ثمانية شواكل، وهي أساسًا صناعة محلية".
ولفت عاشور إلى أن الغلاء والفقد وصلا إلى بضائع أخرى مهمة، مثل أسياخ اللحام، التي كان سعر الكيلوغرام منها 8 شواكل، أما اليوم فبلغ 1200 شيكل.
لكن المعاناة لا تقف عند غلاء هذه السلع فحسب، إذ إن بعضها غير متوفر على الإطلاق، ولا يمكن إيجاد أي بديل له، كالأقفال وشطافات المراحيض. وهذا، بحسب عاشور، يوقف سلسلة كبيرة من العمل والإنتاج، ولو كانت بسيطة.
مفاتيح الإنتاج المفقودة
ويؤكد الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الأسواق في قطاع غزة تعيش خللًا اقتصاديًا يتجاوز مفهوم نقص السلع أو ارتفاع الأسعار، إذ تتمثل المشكلة الأساسية في فقدان مستلزمات الإنتاج الصغيرة التي تشكل الأساس الذي تعتمد عليه عشرات المهن والأنشطة الاقتصادية.
ويقول أبو قمر، في حديثه لـ"الترا فلسطين": "عندما يختفي سيخ اللحام أو المسمار أو زيت السيارات، تتوقف ورش الحدادة والسباكة والنجارة، وتتراجع قدرة السوق على الإنتاج رغم استمرار الحاجة إلى هذه الخدمات".
ويعكس هذا الواقع، بحسب أبو قمر، اختلالًا واضحًا في سلاسل الإمداد، حيث تتوافر بعض السلع الاستهلاكية في الأسواق، بينما تغيب المواد الخام والأدوات الوسيطة اللازمة لتشغيل الورش والمصانع.
ويتابع: "هذا الاختلال يحد من قدرة القطاع الخاص على استئناف نشاطه، ويؤدي إلى تعطيل دورة الإنتاج التي تمثل المحرك الرئيسي لأي اقتصاد".
ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن ارتفاع أسعار هذه المستلزمات لا يقتصر أثره على أصحاب المهن، إذ تنتقل كلفة الإنتاج تدريجيًا إلى أسعار خدمات الصيانة والبناء والنقل، ما يزيد الأعباء على المواطنين ويضعف القدرة الشرائية في ظل تراجع الدخول.
ويحذر أبو قمر من أن استمرار نقص المواد الخام سيؤدي إلى توسع سوق الأدوات المستعملة والبدائل منخفضة الجودة.
ويضيف: "هذا سيقلل من كفاءة الإنتاج، وسيرفع تكاليف الصيانة مستقبلًا. وفي الوقت نفسه، ستخسر السوق جزءًا من قدرتها على خلق فرص العمل؛ لأن الورش التي تتوقف عن الإنتاج تتوقف أيضًا عن تشغيل العمال وتوليد الدخل".
وشدد أبو قمر على أن التعافي الاقتصادي لا بد أن يبدأ بإعادة تدفق مستلزمات الإنتاج اليومية التي تضمن استمرار عمل الورش والحرف، قبل الحديث عن إدخال المعدات الثقيلة أو تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار.
وختم أبو قمر حديثه قائلًا: "هذه السلع الصغيرة تمثل الحلقة الأولى في دورة الاقتصاد، وغيابها يؤدي إلى تعطيل قطاعات كاملة، ويطيل أمد الركود، ويؤخر استعادة النشاط الاقتصادي بصورة طبيعية".
في نهاية المطاف، لا يبدو أن إعادة تدفق مستلزمات الإنتاج الصغيرة في قطاع أنهكته ويلات الحرب والحصار مجرد تفصيل ثانوي في طريق التعافي، بل إحدى بداياته الحقيقية. فحين تتوفر مفاتيح الإنتاج، تستطيع الورش أن تفتح أبوابها، ويستطيع العمال العودة إلى أعمالهم، ويبدأ الاقتصاد من جديد في تحويل الأشياء الصغيرة إلى حياة كاملة.

