اليوم الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦م

ضربة موجعة لاقتصاد إسرائيل.. لوكسمبورغ توقف اعتماد سندات "إسرائيل بوندز"

اليوم, ٩:٣٨:٣٠ ص
أرشيفية

غزة/الاقتصادية

تنتهي خلال نحو أسبوع مسؤولية لوكسمبورغ عن اعتماد نشرات إصدار السندات الحكومية الإسرائيلية من نوع "إسرائيل بوندز" داخل الاتحاد الأوروبي، وسط غموض بشأن قدرة إسرائيل على مواصلة جمع الأموال عبر هذه السندات في الأسواق الأوروبية.

وأعلنت هيئة الرقابة المالية في لوكسمبورغ، التي تُعد مركزاً مالياً وعضواً في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، أنها لا تعتزم مواصلة اعتماد نشرات الإصدار التي يشترطها القانون الأوروبي لتسويق هذه السندات.

وتستهدف سندات "إسرائيل بوندز" أساساً الجاليات اليهودية والمنظمات اليهودية المؤيدة لإسرائيل في الخارج. ورغم أنها تمثل نسبة محدودة من إجمالي إصدارات الدين الإسرائيلي، استخدمتها وزارة المالية الإسرائيلية لجمع أكثر من 2.5 مليار دولار خلال العام الماضي، ومبلغ مماثل في العام الذي سبقه.

 

لوكسمبورغ بدلاً من أيرلندا

شكّل قرار لوكسمبورغ إحراجاً لإسرائيل على المستوى الاقتصادي والصوري، إذ اختارتها وزارة المالية الإسرائيلية قبل عام واحد فقط لتحل محل أيرلندا، بعدما أدى تصاعد الانتقادات الأيرلندية للسياسات الإسرائيلية في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية إلى ضغوط غير مسبوقة على البنك المركزي الأيرلندي لوقف اعتماد نشرات الإصدار.

واعتباراً من الأول من سبتمبر/ أيلول 2026، لا يُعرف أي من دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 ستتولى اعتماد النشرات التي تتيح لإسرائيل جمع الأموال عبر هذه السندات الحكومية غير القابلة للتداول. وأفاد البنك المركزي الأيرلندي، خلال الأسبوع الماضي، بأنه لم يتلقَّ أي طلب إسرائيلي للعودة إلى اعتماد هذه النشرات.

وتُعد "إسرائيل بوندز" سندات حكومية تُستخدم عائداتها في تمويل أنشطة الحكومة وتطوير الاقتصاد الإسرائيلي. وتُطرح أساساً أمام الجاليات والمنظمات اليهودية في الخارج، وكان من أهدافها الأصلية تعزيز العلاقة بين إسرائيل واليهود في الشتات وإشراكهم في تمويل "بناء الدولة" وتطويرها.

وتُدفع فوائد هذه السندات، بحسب المسار، مرة أو مرتين سنوياً. وخلافاً للسندات القابلة للتداول، لا يمكن بيعها في سوق ثانوية، كما يخضع كل إصدار لحد أدنى من الاستثمار.

وتزيد فوائد "إسرائيل بوندز" على العوائد التي توفرها السندات الحكومية الإسرائيلية المتداولة محلياً وعالمياً. فعلى سبيل المثال، تبلغ الفائدة على السندات الدولارية من سلسلة "Jubilee" لأجل عشر سنوات، التي تستحق في سبتمبر/ أيلول 2036، نحو 5.9%، مقابل 3.8% للسندات الحكومية الإسرائيلية لأجل عشر سنوات والمتداولة في بورصة تل أبيب.

 

من بريطانيا إلى أيرلندا ثم لوكسمبورغ

تفرض قوانين الاتحاد الأوروبي حصول أي دولة من خارج الاتحاد، تريد إصدار سندات غير قابلة للتداول داخله، على موافقة دولة أوروبية عضو لاعتماد نشرة الإصدار. وحتى خروج بريطانيا فعلياً من الاتحاد الأوروبي عام 2020، تولت المملكة المتحدة هذه المهمة بالنسبة إلى إسرائيل، وكانت لندن المركز المالي الذي يمنح سنداتها المصادقة القانونية المطلوبة.

وانتقلت عملية الاعتماد بعد تنفيذ "بريكست" إلى أيرلندا. لكن المواقف الشعبية والسياسية الأيرلندية تجاه إسرائيل ازدادت حدة عقب هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 والحرب على قطاع غزة.

وطالبت حكومات أيرلندية متعاقبة خلال السنوات الثلاث الماضية بتعليق العلاقات التجارية التفضيلية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، وفرض عقوبات عليها، ومحاكمة مسؤولين إسرائيليين للاشتباه في تورطهم في إبادة جماعية في غزة، إضافة إلى تقليص العلاقات المالية والتجارية معها. وأغلقت إسرائيل سفارتها في دبلن في ديسمبر/ كانون الأول 2024.

وأدت الانتقادات إلى ضغوط شعبية ونقاشات سياسية وإعلامية بشأن دور أيرلندا في اعتماد نشرات سندات "إسرائيل بوندز"، وسط اتهامات بأن ذلك يسهم في تمويل آلة الحرب الإسرائيلية ويثير مخاوف من التورط في جرائم حرب في غزة.

وطالبت أحزاب أيرلندية البنك المركزي بوقف هذه الاعتمادات، فيما سارعت إسرائيل إلى نقل العملية إلى لوكسمبورغ. واتخذ المحاسب العام السابق في وزارة المالية الإسرائيلية، ياهلي روتنبرغ، القرار في أغسطس/ آب 2025. وقالت الوزارة حينها لصحيفة "غلوبس" إن الأمر لا يمثل أزمة، بل قد يشكل "فرصة"، بالنظر إلى مكانة لوكسمبورغ بوصفها مركزاً مالياً عالمياً لإصدار السندات.

لكن لوكسمبورغ كانت ولا تزال ضمن أكثر الدول الأوروبية انتقاداً لإسرائيل. وأثار القرار انتقادات داخلها منذ البداية، غير أن الهيئة المالية أعلنت حينها أنها "لا تجد أي سبب" لرفض الطلب الأيرلندي الإسرائيلي بنقل مسؤولية اعتماد النشرات إليها.

وبعد عام من الضغوط الشعبية والسياسية، أعلنت الهيئة خلال الأسابيع الأخيرة رفضها تمديد هذا الترتيب لعام إضافي. وكانت لوكسمبورغ قد تبنت مواقف قريبة من أيرلندا وإسبانيا بشأن تعليق اتفاقيات التجارة الحرة مع إسرائيل، كما تدفع باتجاه زيادة الضغط عليها من خلال العقوبات.

 

مبررات تقنية وخلاف مع الهيئة الأوروبية

قدمت الهيئة المالية في لوكسمبورغ مبرراً تقنياً، لا سياسياً، لقرارها. وقالت إن تفسيرها لقوانين الاتحاد الأوروبي لا يسمح لها بالموافقة عاماً بعد آخر على طلب نقل مسؤولية اعتماد النشرات من دولة أخرى، هي أيرلندا، معتبرة أن ذلك سيكون "مخالفاً لقواعد الاتحاد".

لكن هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية "ESMA" أكدت، رداً على استفسار من صحيفة "لوكسمبورغ تايمز"، عدم وجود ما يحول دون تقديم طلب من هذا النوع سنوياً.

وردت الهيئة المالية في لوكسمبورغ بأنها تختلف مع هذا التفسير، مشيرة إلى أن عمليات النقل هذه يُفترض أن تبقى استثنائية ولا تُقبل إلا في ظروف محدودة، ولا سيما عندما تكون لدى الهيئة الوطنية الجديدة معرفة أفضل بخصوصية المنتج المالي المراد إصداره، أو عندما يتمتع المُصْدِر بحضور قوي في سوق الدولة المستقبلة.

وبغض النظر عن الخلاف القانوني، قدمت لوكسمبورغ قرارها بوصفه نهائياً، وأكدت أنها ستبقى مسؤولة عن اعتماد نشرات الإصدار حتى 31 أغسطس/ آب الجاري فقط.

 

خيارات محدودة أمام إسرائيل

أثار القرار تساؤلات بشأن الهيئة المالية الأوروبية التي يمكن أن تساعد إسرائيل بعد هذا التاريخ. ومن بين الخيارات المحتملة العودة إلى أيرلندا، التي غادرتها إسرائيل بصورة معلنة وعلى خلفية انتقاداتها لما وصفته بالسياسات "المعادية لإسرائيل". لكن البنك المركزي الأيرلندي أكد أنه لم يتلقَّ حتى الأسبوع الماضي أي طلب إسرائيلي بهذا الشأن.

وقد تلجأ الأطراف إلى مسار قضائي لإجبار لوكسمبورغ على الاستجابة لطلب استمرار نقل صلاحية اعتماد النشرات، أو تتجه إسرائيل إلى دولة أوروبية ثالثة تُعد أكثر قرباً منها لتصبح "دولة الموطن" لإصدارات الدين المستقبلية. كما قد تضطر إلى التخلي عن قناة التمويل هذه في أوروبا.

ويمثل خروج إسرائيل من لوكسمبورغ، بعد عام واحد فقط من اختيارها، مكسباً للجهات الساعية إلى الإضرار بصورتها الاقتصادية في أوروبا. ورغم أن حجم الأموال المجموعة عبر سندات "إسرائيل بوندز" محدود نسبياً، فإنه يتجاوز ملياري دولار سنوياً.

ورحبت منظمة العفو الدولية "أمنستي" بالقرار، ودعت بقية الدول الأوروبية إلى رفض اعتماد نشرات إصدار هذه السندات.

من جهتها، قالت وزارة المالية الإسرائيلية إن "سياسة إدارة الدين تعتمد على مجموعة واسعة من قنوات التمويل في الأسواق المحلية والدولية، وبعملات وآجال مختلفة". وأضافت أن قسم المحاسب العام تمكن منذ بداية الحرب من تمويل أنشطة الحكومة واحتياجاتها كاملة، بالاعتماد على "سوق محلية عميقة وسائلة وإمكان الوصول الممتاز إلى الأسواق العالمية". وتابعت أن إصدارات الدين، التي تجاوزت قيمتها 700 مليار شيقل منذ اندلاع الحرب، تعكس ما وصفته بـ "الثقة القوية للمستثمرين في إسرائيل والعالم باستقرار الاقتصاد الإسرائيلي وقوته".