اليوم الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦م

غزة.. إسرائيل تشعلها بوهج القذائف وتطفئ نورها بمنع الولاعة لإشعال شمعة

اليوم, ٨:٤٥:٠٥ ص
أنور عطالله

بقلم/ أنور محمد أحمد عطالله- باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة

قد يبدو الأمر على درجة منخفضة من الأهمية لأي قارئ من خارج غزة؛ فالحديث هنا عن منع دخول الولاعة إلى القطاع، وهي في نظر كثيرين قطعة صغيرة ورخيصة الثمن، تُشترى بسهولة، ودون الحاجة إلى اتخاذ قرار أو التفكير في توفرها، لأنها ببساطة موجودة في كل مكان.

فلم يتعود الإنسان في أي مكان في العالم أن يفكر في الولاعة، أو أن يعتبر الحصول عليها مشكلة تستحق الحديث.

لكن في غزة، خلف كلمة «ولاعة» حكاية أخرى، وخلف هذه القطعة الصغيرة معاناة لمئات الآلاف من الأسر.

هناك أسرة لا تستطيع إشعال النار والغاز لإعداد الطعام، وهناك من يبحث عن شمعة تكسر حدة الظلام في الليل، وهناك رجل يقف مشدوهاً ينتظر أحد المارة، أو يرسل أطفاله داخل مخيم النزوح للبحث عن ولاعة حتى يتمكن من إشعال سيجارته.

هنا تتحول الولاعة من شيء هامشي لا يكاد يُذكر إلى ضرورة يومية، وأحيانًا لحظية في حياة المواطن.

ومع منع دخول الولاّعات إلى غزة، بدأت أسعارها بالارتفاع بصورة يصعب تصورها لمن يعيش خارج القطاع؛ فقد يتجاوز سعر الولاعة 50 دولارًا، بينما يلجأ البعض إلى إعادة تعبئة الولاعة القديمة بنحو دولارين، في محاولة للاستفادة منها لأطول فترة ممكنة.

لكن المشكلة لا تكمن في السعر وحده، بل في أن أعداد الولاّعات الموجودة داخل غزة آخذة في الانخفاض، والمخزون الموجود يتناقص يومًا بعد يوم، ومع غياب دخول كميات جديدة تزداد الأزمة اشتدادًا.

والمفارقة أن الولاعة نفسها خارج غزة لا يتجاوز سعرها نحو 20 سنتًا، وتحرص الأسر عادةً على الاحتفاظ بعدد منها في المنزل لأنها من أبسط الأدوات وأكثرها ضرورة.

إنها مفارقة مؤلمة: شيء لا يفكر فيه الإنسان خارج غزة أصبح داخلها سلعة نادرة، وارتفاع سعره يعكس جانبًا آخر من جوانب المعاناة.

فالحصار لا يظهر فقط في نقص الغذاء والدواء والكهرباء، بل يتسلل إلى أصغر تفاصيل الحياة اليومية، حتى يصل إلى قطعة صغيرة بحجم الولاعة.

 

والسؤال الأهم:

لماذا تحارب إسرائيل المواطن داخل غزة، وتتحكم في أدق تفاصيل حياته اليومية؛ من الغذاء والدواء والكهرباء، وصولًا إلى ولاعة صغيرة يحتاجها لإشعال نار أو شمعة؟

غزة التي تُشعلها إسرائيل بوهج قذائفها، تُمنع عنها ولاعة لإشعال شمعة… فأي مفارقة أكثر قسوة من ذلك؟