اليوم الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦م

تجارة فلسطين.. كل دولار صادرات يقابله 2.5 دولار واردات

اليوم, ٨:٢١:٢٩ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

أظهرت بيانات للبنك الدولي، أن صادرات السلع والخدمات الفلسطينية انكمشت 8.34% في 2025، بعد نمو بلغ 5.8% في 2024، وفق مؤشر يقيس النمو السنوي للصادرات بالأسعار الثابتة لعام 2015، وفق مسح أجراه "الاقتصادي".

وهذه نقطة أساسية في قراءة الرقم؛ فمعدل نمو الصادرات هنا لا يقيس قيمة الفاتورة بالدولار الجاري، بل يقيس التغير في الصادرات بعد استبعاد أثر تغير الأسعار، أي بصورة أقرب إلى "النمو الحقيقي" أو حجم النشاط التصديري بأسعار ثابتة. وتوضح البيانات أن المؤشر يعبر عن نسبة التغير السنوي في سلسلة الصادرات بأسعار ثابتة، سنة أساسها 2015، وبالدولار الأمريكي.

وبلغة أبسط، قد ترتفع قيمة الصادرات بالدولار الاسمي أو الجاري بسبب تغير الأسعار أو القيم المسجلة، بينما يظهر المؤشر الحقيقي تراجعًا في الأداء بعد تثبيت الأسعار. لذلك، فإن عبارة "الصادرات نمت أو تراجعت" تحتاج دائمًا إلى سؤال مكمّل: هل نتحدث عن الدولار الجاري أم عن الدولار الثابت؟

وبحسب البيانات، بلغت قيمة الصادرات الفلسطينية بالدولار الجاري 3.64 مليار دولار في 2025، بينما بلغت الواردات 9.19 مليار دولار. وهذا يعني أن الفجوة بين ما باعته فلسطين للعالم وما اشترته منه بلغت، نحو 5.55 مليار دولار في عام واحد.

وتظهر الفجوة بصورة أوضح عند قياسها كنسبة من الاقتصاد. فقد بلغت الصادرات 21.23% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل واردات تعادل 53.53% من الناتج في 2025. وبذلك سجل الميزان التجاري عجزًا يعادل 32.30% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق المؤشرات المرتبطة المنشورة على الصفحة نفسها.

وتعني هذه الأرقام أن كل دولار واحد من الصادرات الفلسطينية قابله نحو 2.5 دولار من الواردات. كما أن الصادرات غطت نحو 40% فقط من فاتورة الواردات، فيما بقيت النسبة الأكبر من الفاتورة بحاجة إلى تمويل من مصادر أخرى، مثل الدخل القادم من الخارج، أو التحويلات، أو المساعدات، أو الاقتراض، أو تدفقات مالية أخرى.

ولا تعكس هذه الفجوة ضعف الصادرات وحدها، بل طبيعة الاقتصاد الفلسطيني نفسه. فالسوق المحلية تعتمد بدرجة واسعة على السلع والخدمات المستوردة، بينما تبقى القاعدة التصديرية محدودة قياسًا بحجم الاستهلاك والاستيراد. لذلك، يظهر العجز التجاري كأحد أكثر المؤشرات تعبيرًا عن اختلال العلاقة بين الإنتاج المحلي والاعتماد على الخارج.

وتشيرالبيانات إلى أن الانفتاح التجاري في فلسطين، أي مجموع الصادرات والواردات كنسبة من الناتج المحلي، بلغ 74.76% في 2025. غير أن هذا الانفتاح لا يقوم على توازن بين التصدير والاستيراد، بل تميل كفته بوضوح نحو الواردات.

وتزداد حساسية هذا الاختلال بسبب الاعتماد الكبير على إسرائيل في التجارة الخارجية. فوفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن أداء الاقتصاد في 2024، شكلت الواردات من إسرائيل 60% من إجمالي الواردات الفلسطينية، بقيمة 4.815 مليار دولار، بينما شكلت الصادرات إلى إسرائيل 87% من إجمالي الصادرات الفلسطينية، بقيمة 2.304 مليار دولار.

وتدل هذه النسب على أن المشكلة ليست في حجم العجز التجاري فقط، بل في تركّز التجارة مع طرف واحد. فعندما تتركز الواردات والصادرات بهذا الحجم في اتجاه إسرائيل، يصبح الاقتصاد أكثر حساسية لأي قيود على المعابر، أو النقل، أو المدفوعات، أو الحركة، أو العلاقات المصرفية والتجارية.

وتظهر الأرقام الشهرية الأحدث استمرار هذا الاعتماد. ففي حزيران/يونيو 2026، بلغت الصادرات السلعية الفلسطينية المسجلة 213.4 مليون دولار، وشكلت الصادرات إلى إسرائيل 96% من إجماليها. وفي الشهر نفسه، بلغت الواردات السلعية 734.7 مليون دولار، وشكلت الواردات من إسرائيل 62% من الإجمالي، فيما بلغ عجز الميزان التجاري للسلع المسجلة 521.3 مليون دولار.

 

وهذا يعني أن أي قراءة للتجارة الفلسطينية لا يمكن أن تكتفي بسؤال: كم نصدر وكم نستورد؟ بل يجب أن تسأل أيضًا: إلى أين نصدر؟ ومن أين نستورد؟ وما حجم المخاطر عندما تكون التجارة مركزة بهذا الشكل في سوق واحدة وقنوات عبور محدودة؟

ومن زاوية ميزان المدفوعات، لا يقف العجز التجاري وحده. فقد بلغ عجز الحساب الجاري في فلسطين 2.72 مليار دولار في 2025، بما يعادل 15.82% من الناتج المحلي الإجمالي. والحساب الجاري أوسع من الميزان التجاري، لأنه يشمل التجارة في السلع والخدمات إضافة إلى الدخل والتحويلات بين الاقتصاد الفلسطيني والعالم.

وبذلك، تكشف الأرقام ثلاث فجوات متداخلة: فجوة بين الصادرات والواردات، وفجوة بين الاقتصاد الفلسطيني وشركائه التجاريين نتيجة التركّز العالي مع إسرائيل، وفجوة بين القيمة الاسمية للصادرات ومؤشر نموها الحقيقي. فبينما تظهر القيمة الاسمية للصادرات عند 3.64 مليار دولار في 2025، يشير مؤشر النمو الحقيقي إلى انكماش الصادرات 8.34% في العام نفسه.