رام الله/ الاقتصادية
يشهد الاقتصاد الفلسطيني تراكما متزايدا في فائض عملة الشيكل لدى المصارف الفلسطينية، نتيجة تدفقات نقدية تفوق قدرة الجهاز المصرفي على إعادة ترحيلها إلى البنوك الإسرائيلية، في ظل القيود المفروضة على كميات النقد التي يمكن تحويلها.
وقال الباحث إسلام ربيع، خلال عرضه ورقة بحثية حول فائض الشيكل وتداعياته على الاقتصاد والجهاز المصرفي الفلسطيني خلال لقاء عقده معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، إن العمالة الفلسطينية في إسرائيل والمستوطنات، ومشتريات فلسطينيي الداخل والقدس، وحركة التجارة الخارجية، ولا سيما الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل، تمثل أبرز مصادر تدفق الشيكل إلى السوق المحلية.
وبحسب الورقة، يتطلب حجم النشاط الاقتصادي الحالي تحويل ما بين 25 و30 مليار شيكل سنويا إلى الجهاز المصرفي الإسرائيلي، إلا أن التدفقات النقدية تتجاوز قدرة المصارف الفلسطينية على ترحيلها، في ظل سقوف الترحيل المحددة، ما أدى إلى تراكم كميات متزايدة من الشيكل في خزائن المصارف.
توقف تحويل النقد
وأوضح الباحث أن استمرار تراكم الشيكل يحد من قدرة المصارف الفلسطينية على استيعاب المزيد من الإيداعات النقدية بهذه العملة، في وقت أصبحت فيه عمليات شحن النقد إحدى القنوات الرئيسية لتغذية حسابات المصارف الفلسطينية لدى البنوك المراسلة.
وأشار إلى أن إسرائيل توقفت عن تحويل المبالغ النقدية منذ حزيران 2025، بالتزامن مع تراجع تعويضات العاملين الفلسطينيين في إسرائيل، الأمر الذي زاد من الضغوط المرتبطة بإدارة السيولة النقدية بالشيكل.
وحذر من أن استمرار الضغوط على علاقات المراسلة المصرفية قد ينعكس على قدرة المصارف الفلسطينية على تسوية مدفوعات التجارة الخارجية وتمويل استيراد السلع والخدمات الأساسية، في حال تعرض هذه العلاقات للتوقف.
أموال مجمدة وتكاليف إضافية
ولا تقتصر تداعيات فائض الشيكل، وفق الورقة، على صعوبة إدارة السيولة، إذ يؤدي تراكم النقد في خزائن المصارف إلى خسائر مباشرة وغير مباشرة تقلص من أرباحها.
وتتمثل هذه الخسائر في تجميد جزء من أصول المصارف وحرمانها من عوائد الإيداع والاستثمار، إلى جانب ارتفاع التكاليف التشغيلية والإدارية، وأعباء تخزين النقد، ومتطلبات الاقتراض قصير الأجل لإدارة السيولة.
المدفوعات الإلكترونية تتوسع
وفي مواجهة الاعتماد المرتفع على النقد، طورت سلطة النقد الفلسطينية أدوات وخططا لإدارة مخاطر علاقات المراسلة المصرفية مع الجانب الإسرائيلي، إلى جانب حشد دعم دولي للحفاظ على استمرارية هذه العلاقات والتخفيف من آثار تراكم الشيكل.
كما اعتمدت سلطة النقد استراتيجية للتحول الرقمي تهدف إلى زيادة استخدام التكنولوجيا المالية في المعاملات اليومية، وتقليل الاعتماد على النقد، خصوصًا في التعاملات بالشيكل.
وتظهر بيانات سلطة النقد، وفق الورقة، نموًا قياسيًا في منظومة المدفوعات الإلكترونية، إذ سجلت خلال الفترة الممتدة بين حزيران 2025 وحزيران 2026 نحو 126.4 مليون معاملة بقيمة إجمالية بلغت 35.2 مليار دولار.
ويأتي هذا النمو مدفوعًا باستخدام أنظمة الدفع الفوري ونقاط البيع ووسائل السداد الرقمي، إلى جانب التعليمات التنظيمية التي أصدرتها سلطة النقد للمصارف بهدف تعزيز مرونة العمليات المصرفية وتسهيل تمويل القطاعات الاقتصادية الحيوية.
ورغم مساهمة التحول الرقمي في تقليص الاعتماد على النقد ورفع كفاءة النظام المالي، يرى الباحث أن أثر هذه الإجراءات على مشكلة فائض الشيكل لا يزال محدودًا نسبيًا، كونها لا تعالج أصل المشكلة المتمثل في تدفق الشيكل إلى السوق الفلسطينية مقابل محدودية القدرة على ترحيله إلى الخارج.
سيناريوان أمام القطاع المصرفي
وحددت الورقة سيناريوهين رئيسيين أمام القطاع المصرفي الفلسطيني.
ويتمثل السيناريو الأول في قطع علاقات المراسلة المصرفية ووقف ترحيل فائض الشيكل، الأمر الذي ستكون له تداعيات واسعة على النشاط الاقتصادي، ويتطلب الاستعداد عبر خطط لإدارة المخاطر وتطوير بدائل نقدية وإلكترونية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استدامة علاقات المراسلة وانتظام ترحيل السيولة الفائضة، من خلال ترتيبات مؤسسية تضمن استمرار هذه العلاقات، إلى جانب رفع سقوف ترحيل الشيكل بما يتناسب مع حجم التجارة والتدفقات النقدية.
وأشار الباحث إلى صعوبة ترجيح أي من السيناريوهين في ظل حالة عدم اليقين، مؤكدا أهمية الاستعداد للتعامل مع كلا المسارين.
رفع سقوف الترحيل وتنويع العملات والأسواق
وبافتراض تحقق السيناريو الثاني، اقترحت الورقة مجموعة من الإجراءات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لمعالجة مشكلة فائض الشيكل.
وتشمل التوصيات رفع سقوف ترحيل الشيكل وضمان استمرارية علاقات المراسلة المصرفية، والتوسع في استخدام المدفوعات الإلكترونية، وتشجيع التعامل بالدولار والدينار، وتنويع العلاقات التجارية والأسواق الخارجية، وتعزيز الصادرات، والحد من المعاملات المالية غير القانونية.
كما تتضمن التوصيات تطوير قنوات تسوية إقليمية وبدائل لإدارة السيولة، وتخفيف الأعباء التشغيلية على المصارف، وزيادة الاستثمار في التكنولوجيا المالية والطاقة المتجددة.
وأكدت الورقة أهمية تنسيق الجهود بين سلطة النقد والحكومة والمصارف والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، باعتبار أن معالجة فائض الشيكل تتطلب إجراءات تتجاوز القطاع المصرفي لتشمل التجارة وحركة المدفوعات وطبيعة التدفقات المالية إلى الاقتصاد الفلسطيني.

