د. محمد سالم أبو يوسف/ باحث أكاديمي وخبير مالي
قد تقاس قوة المؤسسات وقدرتها على البقاء في أوقات الاستقرار، بحجم أصولها وحصتها السوقية أما في ظروف الحرب والكارثة الاقتصادية الحادثة في غزة فتُقاس القدرة على البقاء بمدى المرونة والتكيّف التشغيلي لدى الشركاء والإدارة.
وفي بيئة ميدانية شديدة التعقيد، تتلاشى فيها القواعد التقليدية أمام تدمير المنشآت والمخازن، ونزوح أصحاب القرار، وانقطاع الاتصالات وتجميد الحسابات البنكية يتحول التكيّف التشغيلي السريع من مجرد ميزة تنافسية إلى شريان حياة يقي الشراكات من الجمود والانهيار قبل التأثر بالعوامل الخارجية.
التداعيات الكارثية للجمود التشغيلي وغياب التكيّف أثناء الحرب:
عندما تخوض الشركات غمار الحروب بأدوار ونماذج عمل جامدة وغير قابلة للتعديل، تبرز ثغرات تؤدي إلى تآكل الثقة وتوقف الأعمال وسط الضغوط الميدانية والمالية القاسية قد تتمثل. فيما يلي:
- تجمّد القرارات وتبديد الفرص:
يحدث الإصرار على آليات العمل التقليدية حالة من الشلل التنفيذي مما يؤدي إلى تلف البضائع في المخازن الخطرة أو العجز عن نقل الأصول المتبقية إلى مناطق أكثر أماناً قبل فوات الأوان.
- استنزاف السيولة النقدية:
إن التمسك بنماذج البيع والتوزيع القديمة في ظل شلل القطاع المصرفي وأزمة "الكاش" يؤدي إلى تبديد التدفقات النقدية والوقوع في فخ العمولات المرتفعة أو الديون غير القابلة للتحصيل.
- النزاعات حول أدوار الشركاء أثناء النزوح:
يتسبب التفاوت في القدرة على الحركة أو التواجد الميداني بين الشركاء النازحين في صراعات حول توزيع المهام والمسؤوليات مما يولد شعوراً بعدم العدالة وتخلف البعض عن حماية مصالح الشركة.
- توقف النشاط والانحلال القسري:
عدم القدرة على الابتكار وإعادة إيجاد مكان للشركة في "اقتصاديات الحرب" يحولها إلى كيان مستهلك لرأس المال، مما يدفع الشركاء إلى التصفية الاضطرارية والخروج من السوق بخسائر كاملة.
ركائز التكيّف التشغيلي كآلية دفاعية إبان الأزمات:
إن المرونة التشغيلية في ظروف الحرب لا تعني العشوائية أو الفوضى بل تعني إعادة هيكلة الأنشطة بأسلوب ديناميكي يستجيب للمتغيرات الميدانية فور وقوعها.
وتستند هذه المرونة إلى:
- التحوّل السريع في نموذج العمل:
القدرة على تغيير نوع الخدمة أو السلعة المُقدمة بما يلائم الأولويات الطارئة للسكان والقدرة الشرائية المتاحة في مناطق النزوح.
- إدارة السيولة بمرونة ميدانية:
التكيف مع واقع انقطاع البنوك من خلال اعتماد آليات تسوية فورية، وتبديل "الكاش" أو مقايضة الخدمات للبقاء داخل الدورة الاقتصادية.
- لامركزية الصلاحيات التنفيذية:
منح الشريك أو المسؤول المتواجد ميدانياً صلاحية اتخاذ القرارات اللوجستية السريعة لحماية الأصول أو إعادة التوجيه دون التعطل بالبيروقراطية.
- إعادة توزيع الأدوار بحسب الظروف:
توزيع المهام بين الشركاء بناءً على مناطق تواجدهم جغرافياً، وتوفر شبكة الاتصالات لديهم، وليس بناءً على المسميات الوظيفية قبل الحرب.
وفيما يلي بعض التوصيات العملية لتعزيز التكيّف التشغيلي وصيانة الشراكات في غزة:
- اعتماد خطة تشغيلية متحركة "مرنة":
وضع سيناريوهات بديلة لمواقع التخزين والبيع تُراجَع أسبوعياً وفقاً الخارطة الميدانية والأمنية مع الاتفاق المسبق بين الشركاء على نقل الأنشطة للمناطق الأكثر أماناً.
- إعادة تنوع سلة المنتجات والخدمات:
التحول السريع نحو استيراد أو توزيع المواد الأساسية التي يشتد عليها الطلب في ظل الحرب، والتخلي المؤقت عن الأنشطة غير الضرورية لتقليل النفقات التشغيلية.
- تأمين شبكات سريعة لإدارة السيولة:
بناء أطر مرنة للتعامل مع معطيات السوق المحلي كالبيع النقدي المباشر أو التشارك في المحافظ الرقمية المتاحة لتفادي انعدام السيولة.
- إنشاء مساحات لوجستية مشتركة:
التشارك مع أصحاب أعمال أو شركات أخرى في المساحات والمخازن أو خطوط النقل المتبقية لتقاسم التكاليف والمخاطر الميدانية.
- مبدأ "التكافل والتكليف المرن":
مراعاة الظروف الشخصية للشركاء (كالنزوح أو الفقد) من خلال إعادة توزيع المهام وتأجيل بعض الالتزامات الإدارية مع الحفاظ على حق الجميع في الأرباح أو الأصول وفق أطر أخلاقية مكملة لربحية الشركة.
وختاما فإن المرونة والتكيّف التشغيلي في غزة إبان الحرب ليسا خياراً إدارياً ثانوياً بل هما المحرك الأساسي لحماية الأصول واستمرار الحركة النقدية والضامن الوحيد لخروج الشركات من أتون الأزمة بكيان قائم وقادر على استعادة نشاطه فور انقشاع الحرب.

